“بررة” و”الأبرار” بمعنى

من كلمات القرآن العظيم ما هو متقاربٌ في المبنى متطابقٌ في المعنى. ومن ذلك كلمة “بررة” وكلمة “الأبرار”. صحيحٌ أن كلمة “بررة” لم ترد في القرآن العظيم إلا في حق طائفةٍ من ملائكة الله الكرام هم مَن نعتهم الله تعالى فوصفهم بأنهم “كرامٌ بررة” (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (11 -15 عبس)، إلا أن صفتهم هذه متطابقةٌ تمام التطابق مع صفة الأبرار الذين امتدحهم الله تعالى في الآيات الكريمة التالية: (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (من 193 آل عمران)، (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) (من 198 آل عمران)، (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (13 الإنفطار)، (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) (5 الإنسان)، (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) (18 المطففين)، (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (22 المطففين).

وهذا التطابق بين هاتين الكلمتين القرآنيتين الكريمتين، “بررة” و”الأبرار”، قائمٌ بسببٍ من كون الأبرار قد حازوا بتعبُّدهم لله تعالى ما جعل منهم أقرب إلى ملائكة الله الكرام منهم إلى بني جلدتهم من بني آدم. وهذا التقارب، بين مَن خلقهم الله بشراً وبين من خلقهم الله ملائكةً، شدَّد عليه القرآن العظيم في مواضع منه كثيرة. فالأبرار هم عباد الرحمن الذين فصَّلت صفاتهم سورة الفرقان في الآيات 63 -75. وعباد الرحمن أيضاً هم ملائكة الله الكرام كما تشهد لهم بذلك الآية الكريمة 19 الزخرف (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ).

كما أن الأبرار هم الذين يُكثرون من تسبيح الله تعالى والسجود له إكثاراً يُذكِّر بما هو دأب الملائكة الكرام تسبيحاً لله تعالى وسجوداً (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (206 الأعراف)، (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ(19)يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُون) (من 19 -20 الفرقان)، (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (38 فصلت).

إذاً يتبيَّن لنا أن تقارب كلمتَي “بررة” و”الأبرار” في المبنى يشير إلى تطابقهما في المعنى. وهذا من بين ما تتميَّز به عربية القرآن العظيم التي تبيَّن لنا في منشوراتٍ سابقة عدة ما تتميَّز به من كون الكثير من مفرداتها الكريمة تختلف في المعنى وإن كانت تتشابه أو تتطابق في المبنى. وهذا كله مما حبى الله تعالى به لغته الإلهية التي صاغ بها قرآنه العظيم صياغةً محكمةً توجب على قارئها أن يتدبَّرها، كما أمر الله تعالى، تدبُّراً لا سبيل إليه إلا بقراءة الآيات القرآنية الكريمة بتمهُّلٍ وتروٍّ يُمكِّنانه من الإحاطة بما اشتمل عليه هذا القرآن من لطيف إشاراتٍ وخَفِيِّها هي كمال البلاغة وأجملها.

أضف تعليق