
انتهيت في المنشور السابق إلى تبيان بعضٍ مما هي عليه اللغة الإلهية التي صاغ اللهُ تعالى بها قرآنه العظيم من خصائص جعلتها تتمايز عما نظن أننا قد أحطنا به من بحر اللغة العربية الخضم. وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى مثالٍ آخر يبيِّن ما تتمايز به عربية القرآن العظيم عن عربيتنا الدارجة. فلقد وردت في القرآن العظيم عبارة “أصحاب النار” 19 مرة، وذلك بمعناها الذي يُذكِّر بمن نعتهم هذا القرآن بنعوت من بينها “أصحاب الجحيم” و”أصحاب السعير”. كما وجاء أيضاً في القرآن العظيم ذكر “أصحاب النار” بمعنى الملائكة التسعة عشر عليهم السلام الذين أوكل الله تعالى إليهم مهمة الإشراف على تعذيب أصحاب النار لعنهم الله (سَأُصْلِيهِ سَقَر. وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَر. لَا تُبْقِي وَلَا تَذَر. لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَر. عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر. وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) (26 -31 المدثر).
وهذه عجيبةٌ من عجائب قرآن الله العظيم؛ فعدد المرات التي ورد فيها المصطلح الكريم “أصحاب النار” بمعنى أصحاب الجحيم وأصحاب السعير هو 19 مرة، وعدة الملائكة الكرام “أصحاب النار”، الذين هم زبانية جهنم وخزنتها عليهم السلام، هي تسعة عشر أيضاً!
وهكذا يتبيَّن لنا بتدبُّر آيات “أصحاب النار” العشرين، أنه وفقاً لعربية القرآن العظيم فإن هذا القرآن قد اشتمل على عبارات متطابقة في المبنى متضادة في المعنى.
