عربية القرآن العظيم

يصر كثيرٌ ممن يقرأون القرآن العظيم دونما تدبُّر على أن العربية القرآنية ليس لها أن تخالف عن عربيتنا الدارجة! وهذا إن دلَّ فإنما يدل على قلة خبرةٍ بالقرآن العظيم وبلغته الإلهية التي ليس لها بالضرورة أن تتطابق مع ما درجنا على الأخذ به على أنه النمط الوحيد الذي ليس بإمكان اللغة العربية أن تتجلى بغيره. ولقد أوردتُ في منشوراتٍ سابقة العديد من الأمثلة التي يتبيَّن بتدبُّرها أن لغة القرآن العظيم تتفرد بميزاتٍ لغوية تجعلها ذات خصائص نحوية تختلف عن تلك التي تواضعنا على الأخذ بها تواضعاً منا على أنها ما ينبغي ألا تحيد عنه لغتنا العربية، وبالتالي فإن ليس لنا أن نفرض عليها أحكامنا اللغوية وقواعدنا النحوية وذلك طالما كان الله تعالى هو مَن نظم هذا القرآن فحقَّ بالتالي علينا أن تكون لغته هي الحَكَم وإليها المحتكَم.
ينتهي بنا تدبُّر اللغة الإلهية التي صاغ بها اللهُ تعالى قرآنه العظيم إلى جملةٍ من الحقائق التي يتوجَّب علينا أن نأخذ بها ونلزمها ما استطعنا، وذلك حتى تكون مقاربتنا لآيات الله تعالى مقاربةً تُفضي بنا إلى الوقوع على ما اشتملت عليه من معنى سيغيب حتماً عنا إن نحن قرأنا هذه الآيات وفقاً لما درجنا عليه وتواضعنا بعينِ عقلٍ يفترض أن عربية القرآن العظيم متطابقةٌ مع لغتنا العربية الدارجة. على سبيل المثال، فإن تدبُّر القرآن العظيم بوسعه أن يجعلنا مستيقنين من أن تقاربَ الكلمات القرآنية الكريمة في مبناها لا يعني بالضرورة أن تتقارب في معناها، فهناك الكثير مفرداتها الكريمة تختلف في المعنى وإن كانت تتشابه أو تتطابق في المبنى. ومن ذلك تدبُّرنا لكلمتَي “هلكَ” و”أهلكَ”. فـ “هلك” تعني وفقاً لعربية القرآن العظيم “مات”، بينما تعني كلمة “أهلك”: “أباد”. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ…)، (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى) (50 النجم). كما أن من كلمات القرآن العظيم ما هو متقاربٌ في المبنى متطابقٌ في المعنى. ومن ذلك كلمة “بررة” وكلمة “الأبرار”. فصحيحٌ أن كلمة “بررة” لم ترد في القرآن العظيم إلا في حق طائفةٍ من ملائكة الله الكرام هم مَن نعتهم الله تعالى فوصفهم بأنهم “كرامٌ بررة” (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (11 -15 عبس)، إلا أن صفتهم هذه متطابقةٌ تمام التطابق مع صفة الأبرار الذين امتدحهم الله تعالى في العديد من الآيات الكريمة من بينها: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (22 المطففين). وهذا كله مما حبى الله تعالى به لغته الإلهية التي صاغ بها قرآنه العظيم صياغةً محكمةً توجب على قارئها أن يتدبَّرها، كما أمر الله تعالى، تدبُّراً لا سبيل إليه إلا بقراءة الآيات القرآنية الكريمة بتمهُّلٍ وتروٍّ يُمكِّنانه من الإحاطة بما اشتمل عليه هذا القرآن من لطيف إشاراتٍ وخَفِيِّها هي كمال البلاغة وأجملها.
مثالٌ آخر من عربية القرآن العظيم يتبيَّن لمتدبِّره أن لهذا القرآن عربيته الخاصة التي ينبغي أن نتدبَّرها بتفرُّدها دون أن نفرض عليها ما يحدِّد لمفرداتها وعباراتها أن تجيء متوافقةً معه من قواعد وأحكام لغوية ونحوية. فلقد جاءنا القرآن العظيم بكلمتَي “دار” و”ديار” بمعنى. وهذا ما بمقدورنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (78 الأعراف)، (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (91 الأعراف).
كما وتأتي كلمة “الحُكم” أحياناً في القرآن العظيم بمعنى “الحكمة”. وليس هنالك ثمة من فارق على الإطلاق بين هاتين الكلمتين القرآنيتين الكريمتين. ويخطئ كل من يظن أن اختلاف “الحكم” عن “الحكمة” في المبنى يستدعي وجوب أن يكون هناك اختلافٌ بينهما في المعنى! فهذا ظن تكذِّبه النصوص القرآنية الكريمة التي يبيِّن تدبُّرها ألا فرق هناك على الإطلاق بين “الحكم” الذي ورد بمعنى “الحكمة” في الآيات الكريمة التالية: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (12 مريم)، (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) (48 آل عمران).
كما وتوجَّه الله تعالى إلى سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في القرآن العظيم بخطابه الإلهي المبتدئ بـ “يا أيها النبي” 13 مرة، ومن ذلك: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (64 الأنفال)، كما وخاطب الله تعالى رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم في القرآن العظيم خطاباً مبتدئاً بـ “يا أيها الرسول”، وذلك في موطنين أحدهما: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ…) (من 67 المائدة). فسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو رسول الله ونبيه وليس هناك ما يستدعي منا أن نعتقد بوجود فرقٍ بين كونه صلى الله تعالى عليه وسلم رسولاً أو كونه نبياً.
ومن الأمثلة الأخرى على تسامي وتعالي لغة القرآن العظيم على أية قواعد وأحكام نظن أن كل كلام عربي لابد وأن يتقيَّد بها أن كلمة “الدعاء” في القرآن العظيم تجيء بمعنى الدعاء والتوسل كما درجنا على الأخذ به (وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (من 48 مريم)، كما وتجيء بمعنى “الدعوة” (إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ) (من 14 فاطر).
إن تدبُّر القرآن العظيم يتطلب منا وجوب أن نقرأ القرآن بالقرآن، ونفسِّر القرآن بالقرآن، حتى ولو كان في هذا ما يستدعي منا ضرورة ألا نُحكِّم قواعد وأحكام النحو على آياته الكريمة. فقد يُفضي بنا شديد تمسُّكنا والتزامنا بهذه الأحكام والقواعد إلى الإخفاق في الوقوع على المعنى المقصود فيجنح بنا ذلك بالتالي إلى القول بغير ما يقول به النص القرآني.

ولن نكون مخطئين إذا ما نحن قلنا بأن كثيراً من الكلمات القرآنية المترادفة لا فرق هناك على الإطلاق في معناها كما يفترض من يصر على أن ورود الكلمة القرآنية الكريمة في سياق ما يُحتِّم أن يكون لهذا الورود ما يجعل من مرادفاتها في السياق ذاته أمراً لا يستقيم مع المعنى السياقي الذي تشتمل عليه الآية الكريمة. فلقد فات هؤلاء أن اللهَ هو من صاغَ القرآن العظيم، وأنه تعالى قد اختار كلماتِهِ دون أن يكون هناك من ضروراتٍ تُملي على هذا الاختيار ما “ينبغي” عليه وما “لا ينبغي”! فالله تعالى له مطلق الحرية في انتخاب واصطفاء واختيار الكلمات القرآنية الكريمة التي تشكَّل منها قرآنه العظيم. وليس هناك من ضرورةٍ توجب أن يكون للكلمة القرآنية الكريمة معنى تعجز مرادفاتها القرآنية عن تأديته. وهذا ما يوجب على متدبِّر القرآن العظيم أن يأخذه بنظر الاعتبار عند قراءته الآيات القرآنية الكريمة بتدبُّر؛ إذ ليس هناك من ضرورةٍ تُملي على الآية القرآنية الكريمة وجوب أن تكون كلماتها تخضع لما نظن ونتوهم من قواعد وأحكام استقامت على أساسٍ منها لغتنا المكتوبة والمحكية! فالقرآن العظيم جاءنا من عند الله تعالى بهذه الصيغة الإلهية دون أن يكون هناك من إلزامٍ يوجب على لغته الإلهية الجليلة أن تجيء عباراتها الكريمة متوافقةً مع ما افترضناه من أحكامٍ وقواعد فألزمنا بها لغتنا العربية التي قد تتطابق مع اللغة العربية القرآنية وقد تختلف، وليس لنا من الأمر شيء. فكل ما يتوجب علينا القيام به حيال لغة القرآن العظيم لا ينبغي على الإطلاق أن يتجاوز تمام الخضوع والانصياع لما صيغت به مفرداتها وعباراتها الكريمة من لدن عليمٍ حكيمٍ خبير.

أضف تعليق