لا تبخس الناسَ أشياءهم

لن تعدم نفس الإنسان وسيلةً تبرر بها له إقدامه على بخس الناس أشياءهم! فهذا والله هو ديدن النفس في كل زمان ومكان. فـ “الآخر” من وجهة نظر النفس مشاعٌ ما يحوزه ويمتلكه وهو بالتالي “حلال” على صاحبها أن تمتد إليه يده بالاختلاس والتبخيس، هذا إن لم يكن ما تطوِّعه النفسُ لصاحبها يشتمل على السطو والنهب والسرقة! ولذلك نهى القرآن العظيم، وعلى لسان سيدنا شعيب عليه السلام، عن أن يبخس الإنسانُ الناسَ أشياءهم: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (85 الأعراف)، (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ. وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (84 -85 هود)، (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِين. إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُون. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين) (176 -183 الشعراء).

فسيدنا شعيب عليه السلام لم ينصح قومه بألا يبخسوا الناسَ أشياءهم إلا امتثالاً لما كان الله تعالى قد أمره به. فبخس الناسِ أشياءهم مفسدةٌ لا يمكن أن تُبرِّر لها أية علةٍ توسوس بها النفس إذ تطوِّع لصاحبها أن يمد يده إلى ما عند غيره ظلماً وعدواناً. فاللهُ تعالى قد أبانَ عن أن بخس الناس أشياءهم هو مظلمةٌ لا ينبغي للإنسان أن يقترفها وذلك بقوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون) (15 هود). فإذا كان الله تعالى لا يبخس الإنسان أعماله في حياته الدنيا، فكيف يسمع الإنسان لنفسه التي تطوِّع له أن يبخس الناسَ أشياءهم؟!

وبذلك يتبيَّن لنا بطلان ما يحتج به المتطرفون والمتزمتون والمتشددون تبريراً لما يقومون به من بخسٍ للناس أشياءهم! فالله تعالى جعل القسط في التعامل مع “الآخر” من الصالحات التي تجعل من القائم بها محبوباً عنده (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين) (8 الممتحنة).

أضف تعليق