عِلَّة فساد دُنيانا

إن الناظر إلى دُنيانا بعينٍ متبصرةٍ فيما يجعلها على هذا القدر من السقم والاعتلال لابد وأن يخلص إلى أن علة فسادها واعتلالها أمرٌ لا علاقة له بما نظن ونتوهم من أسبابٍ تدور في فلك هذه الحياة الدنيا. فدنيانا هذه ما أفسدها ولا جعلها عليلةً هذا السبب أو ذاك أو تلك من الأسباب التي جعلت من أهل هذه الدنيا يُسطِّرون آلاف الكتب خوضاً في غمار ما جعل منها دنيا شقاء وعناء! فهذه الدنيا، إن نحن لم نتدبَّر حالها ناظرين إليها بعينٍ تراها على ما هي عليه حقاً وحقيقة، فلن نُوفَّق على الإطلاق في الوقوع على العلة التي جعلتها دنيا شقاء وعناء. فإن نحن لم ندرك أن هذه الدنيا هي دار ابتلاء فلن نُمكَّن من أن نضع يدنا على علة دائها. ونحن إن لم ندرك أن دنيانا ما خُلقت إلا لتكون دار ابتلاءٍ لنا، فلن يكون بمقدورنا أبداً أن نتبيَّن علةَ دائها هذا. ولا سبيل هناك ليكون بمقدورنا أن ننظر إلى دنيانا فنراها على حقيقتها هذه إلا بأن نستذكر على الدوام ما استطعنا أننا ما خُلقنا لها، وأننا وإن خُلقنا لنعيشها فإننا قد خُلقنا للآخرة التي كُتِب علينا أن نُبتلى بالدنيا حتى يكون لنا أن نُخلَّد من بعدها في النار أو في الجنة.

إذاً فعلَّة فساد دُنيانا هي ليست إلا هذا الانشغال منا بها عن الآخرة التي لو انشغلنا بها حقاً لعادَ ذلك علينا بأن تكون دنيانا مُبرَّأةً من كلِّ علةٍ وخاليةً من كلِّ سقَم، فتكون هذه الحياة الدنيا جنةً قبل جنة الخُلد ومثالاً لما ستكون عليه حياتُنا في جنة الآخرة.

إذاً فإن نحن أردنا حقاً أن تصلح دنيانا فلا سبيل إلى ذلك إلا بأن نعيشها دارَ ابتلاءٍ بقلوبٍ مستيقنةٍ من أنها منتهيةٌ إلى آخرةٍ هي دار القرار والبقاء، وإلا فإن هذه الدنيا لن تكون إلا دار شقاءٍ وعناء مادمنا لا ننظر إليها بعينِ عقلٍ مشغولٍ بالآخرة عنها.

أضف تعليق