
انتهيت في المنشور السابق إلى أن علة فساد دُنيانا بالإمكان تلخيصها بأنها لا أكثر من انشغالنا بهذه الدنيا عن الآخرة انشغالاً جعلنا عاجزين عن أن يكون بمقدورنا أن نحياها وبما يجعل منا ننظر إليها فنراها على حقيقتها: دار ابتلاء وامتحان.
وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن علة فسادنا التي عجزت كل المقاربات الوضعية عن استكناه واستبيان ماهيتها، وذلك بسببٍ من إصرار هذه المقاربات على الدوران في فلك أسبابٍ دنيوية عجزت عن الولوغ بعيداً في ماضينا التطوري وصولاً إلى بدايات تشكُّل الإنسان. فكل هذه الأسباب جميعاً ومجتمعةً ليس بمقدورها أن تعلل لهذا الذي نحن عليه من اعتلال جعلنا مخلوقاتٍ غير طبيعية. ونحن إذا ما أردنا أن نضع يدنا على العلة التي جعلتنا كائناتٍ معتلة فلن نوفَّق إلى ذلك إلا بأن نسلِّم بأن الأمر ليس بمستطاعنا فيكون لنا بالتالي أن نحدِّد أسبابه، وأننا مضطرون والحال هذه أن نلجأ إلى مَن كان حاضراً حينها فشهد ما صنعته يداه بتدخلٍ مباشرٍ من لدنه، أو بتدخلٍ غير مباشر بوساطةِ أسبابٍ خلقها فسلَّطها على الواقع الذي شاءت إرادته أن ينشأ عنه الإنسان.
إذاً فعلة فساد إنسان دنيانا تضرب بجذورها في غيبٍ لا قدرةَ لنا على استجلائه. وحده القرآن العظيم، كتاب غيب الله تعالى، مَن بمقدوره أن يُمكِّننا من أن نحيط بعلَّة فسادنا على ما هي عليه وبما يُمكِّننا من أن نحيط بهذا الذي جعل منا هذا المخلوق المُعتَل.
