
انتهيتُ في المنشورين السابقين إلى ما من شأنه أن يُبيِّن ما ينبغي أن تكون عليه العلة من وراء فساد دُنيانا وإنسانها، وذكرتُ أن هذه العلة لا يمكن أن تكون بحال تلك التي انتهت إليها مباحثُ العلم الوضعي الذي لا قدرةَ له على أن يغرف من منهل الغيب وإن كان هو يزعم ذلك! وإذا كان فيما انتهى إليه العلم الوضعي من قولٍ ذي صلةٍ بأصل الإنسان ومسار نشوئه وتطوره وارتقائه يتطابق مع بعض ما يذهب إليه قرآن الله العظيم بخصوص هذه النشأة والتطور والارتقاء، فإن ذلك لا ينبغي على الإطلاق أن يجعل من الرواية القرآنية لما حدث فجعل منا بشراً متطابقةً تمام التطابق مع رواية العلم الوضعي. فرواية العلم الوضعي تنص على أن الإنسان كائنٌ طبيعي لا غبار عليه، وأنه إذ نشأ عن الطبيعة ونما وترعرع في ربوعها وتحت ظلالها فإنه والحال هذه لا يمكن على الإطلاق أن يكون كائناً معتلاً ملتاثاً غير سوي وذلك كما ينظر القرآن العظيم إلى الإنسان الذي يراه أبعد ما يكون عن الاتصاف بما يتصف به غيره من كائنات الطبيعة التي ليس فيها ما هو معتل سقيم غير طبيعي.
ولذلك فأنا لستُ داروينياً طالما كانت الداروينية تفترض، جهلاً وظلماً، أن الإنسان بنشأته عن الطبيعة كائنٌ سَوي طبيعي غير معتل! وهذا الاختلاف بين ما يقول به الداروينيون وما أقول أنا به كبيرٌ، ولا سبيل هناك للتوفيق بين مذهبَينا وذلك لأن تدبُّر القرآن العظيم يوجب عليَّ ألا أقول بما يقول به العلم الوضعي الذي لا قدرةَ له إطلاقاً على أن يتدبَّر الإنسان بعينٍ تنظر إليه فتراه على حقيقته: كائناً مُعتلاً مُلتاثاً غير طبيعي.
