
ما الذي كانت تعنيه ملكة سبأ بقولها “كتابٌ كريم” والذي وثَّقته الآية الكريمة (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) (29 النمل)؟
يُعيننا على تبيُّن ذلك المعنى أن نتدبَّر الآية الكريمة (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهيُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (23 الإسراء). فالقول الكريم الوارد في هذه الآية الكريمة هو الذي لا تشتمل عباراته على ما يُسيء فظاظةً وإهانةً واستعلاء. وبذلك يكون “الكتاب الكريم”، الذي وصفت به ملكة سبأ رسالة سيدنا سليمان عليه السلام إليها وإلى قومها، يشير إلى ما لم تشتمل عليه تلك الرسالة من عبارات التهديد والوعيد فظاظةً واستعلاءً واستكباراً. فسيدنا سليمان عليه السلام أرسل هدهده برسالةٍ تفيضُ أدباً جماً لا يليق إلا بمن هو نعم العبد، وهو مَن هو بفضل الله تعالى. فسيدنا سليمان عليه السلام كان بهذا الفضل الإلهي العميم أقوى أهل الأرض جنوداً، وهو مع ذلك لم يخاطب ملكة سبأ إلا بما جعلها تصف خطابه بالكتاب الكريم وذلك لما اشتمل عليه من كلماتٍ رقيقة لا تصدر إلا عمن برَّأ اللهُ تعالى قلبَه من الكبر والخيلاء.
وبذلك يتبيَّن لنا من جديد أن القرآن العظيم تتبيَّن معاني آياته الكريمة بقراءتها بآياتٍ كريمةٍ أخرى.
