الساعةُ بين مُستعجلٍ بها ومُشفِقٍ منها

وردت كلمة “الساعة” في القرآن الكريم 39 مرة. ولقد ذكرتُ في منشورٍ سابق أن “الساعة”، إذ هي كلمةٌ قرآنيةٌ جليلة تذكِّر بـ “البعث” و”القيامة” و”اليوم الآخر”، فإن أصلها هو ما بالإمكان أن نحيط به بتدبُّرنا ما جاءنا به قرآن الله العظيم من خبر ما سيخطر ببال الناس إذ يبعثهم الله يوم القيامة فيظنون أنهم ما لبثوا غير ساعة: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (45 يونس)، (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (35 الأحقاف)، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ) (55 الروم).

والساعة هي مما يختلف بشأنها بنو آدم أشد الاختلاف: فالذين كفروا منهم يستعجلون بها، والذين آمنوا بها مشفقون منها، وذلك كما جاءنا به القرآن العظيم: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ. يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) (17 -18 الشورى). فالذين لا يؤمنون بالساعة يستعجلون بها وذلك لأن لسان حالهم هو ما نطق به أشياعهم من كفار القرون الأولى الذين كانوا يحاججون أنبياءهم بما جاءتنا بخبره الآيات الكريمة: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (70 الأعراف)، (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (32 هود)، (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِين) (22 الأحقاف).

فالذين كفروا كلهم ثقة بأن الساعةَ غيرُ آتية وأنهم لذلك في مأمنٍ منها! وهم إذ يستعجلون بها فإنهم واثقون أنها لن تجيء أبداً! أما المؤمنون فهم مشفقون من الساعة لأنهم يعلمون أنها آتيةٌ لا ريب فيها ولذلك فهم يرجون اللهَ تعالى أن يؤجِّل مجيئها حتى يكثروا من الصالحات فيكون لهم بذلك أن يأملوا أن ينجِّيهم اللهُ من أهوالها.

أضف تعليق