“وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ”

امتدح اللهُ تعالى المؤمنين به فوصفهم بأنهم يرجون منه ما لا يرجوه الكافرون به (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ) (من 104 النساء). فالمؤمنون بالله واليوم الآخر يرجون الآخرة وذلك لأنهم، وعلى خلاف الكافرين، لا يريدون عرَض الدنيا إذ يريدون ما يريده الله (وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (من 67 الأنفال).

وبذلك يتبيَّن لنا أن ما يميِّز المؤمنين عن الكافرين هو هذه الإرادة الخالصة للآخرة وهذا الرجاء المخلص لها. فالمؤمنون هم أهل الآخرة التي حبَّبها اللهُ تعالى إليهم فجعلهم ذلك يستحبُّونها على الحياة الدنيا. والمؤمنون يرجون من الله أن يُحييَهم هذه الحياة الدنيا بقلوبٍ لا تنشغل بها عن الآخرة فيكون عندها الخسران المبين مصيرهم. وهذا الفارق بين المؤمنين والكافرين ليس باليسير؛ إذ أن تحبيب الله تعالى الآخرة لمن آمن به أمرٌ يجعل ممن استحب الآخرة على الحياة الدنيا يحيا دنياه وكله أملٌ أن اللهَ تعالى لن يُضيِّعَه وأنه في الآخرة من الفائزين. وهذا رجاءٌ لن يخيبَ عند مَن لا يخيبُ عنده رجاء، طالما كان المرتجي قد آمن بالله وعمل صالحاً، وطالما كان المرتجى هو الله الذي لا يُضيع أجرَ المحسنين (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (115 هود). فالمحسنون هم الذين يريدون الآخرة التي يريدها الله، وهم الذين يرجونها ولا يرتجون سواها طالما كانت الآخرة هي مراد مولاهم الذي ما خلقهم ليعيشوا دنياهم غافلين عنها.

فلنحرص إذاً على أن نكون من الذين يرجون من الله ما لا يرجو مَن أغفلَ اللهُ تعالى قلبَه عن ذكره وعن ذكر الآخرة التي ما انشغل عنها بدنياه إلا من خسر الخسران المبين.

أضف تعليق