التثبيت الإلهي للمؤمنين

يخطئ مَن يظن أن بمقدوره أن يكون ذا قلبٍ مؤمنٍ دون تثبيتٍ له من الله؛ فالإيمان لن يتوطَّن القلب إلا بتثبيتٍ منه تعالى. وهذا التثبيت الإلهي هو واحدٌ من تجليات تدخُّل الله تعالى بشكلٍ مباشر في حياة عبده المؤمن الذي لولا هذا التدخل الإلهي لزالَ إيمانه وتلاشى جراء ما تجرُّه عليه تدخلات النفس ومناوشات الهوى. ولقد جاءنا القرآن العظيم بما يُعين على تبيُّن ما يدل على ما للتثبيت الإلهي من دورٍ في جعل الإيمان يستوطن القلب ويستقر فيه: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (من 120 هود)، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (32 الفرقان)، (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (من 250 البقرة)، (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (11 الأنفال)، (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) (من 12 الأنفال)، (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) (من 27 إبراهيم)، (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (من 102 النحل)، (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) (74 الإسراء)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (7 محمد).

والتثبيت الإلهي هذا الذي تتحدث عنه هذه الآيات الكريمة مشروطٌ بأن يؤمن المرء بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً. فاللهُ تعالى يثبِّت المؤمنين بتدخلٍ مباشرٍ من لدنه. وغني عن القول ألا تثبيت هناك من لدن الله تعالى لمن لا إيمان له. فالتثبيت الإلهي هو من تجليات فضل الله تعالى الذي يختص به من يشاء من عباده المؤمنين. والتثبيت الإلهي هو مما يجعل إيمان المؤمن بالله يزداد ويضطرد: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) (من 4 الفتح)، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (173 آل عمران)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (2 الأنفال)، (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (من 124 التوبة)، (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (22 الأحزاب)، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُم) (17 محمد).

فالمؤمن السائر على طريق الله تعالى بجدٍ واجتهادٍ وإخلاص له أن يأمل بأن يحظى بما هو كفيلٌ بجعله ثابت القدم رابط الجأش وذلك بتدخُّل الله تعالى في حياته تدخلاً يجعله يزداد إيماناً وهدى، وذلك من خلال ما سيتجلى على هذا الطريق من وقائع وأحداث وظواهر لا يمكن لعقله ألا يتبيَّنها على ما هي عليه حقاً وحقيقةً إذ هي تجلياتٌ إلهيةٌ ما كان له أن يحظى بها لولا أنه من الذين صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه. ولذلك كانت الكرامات مفردةً من مفردات هذا التثبيت الإلهي لعباده المؤمنين على طريق الله إلى الله.

أضف تعليق