
للهِ أن يفعل ما يشاء، فهو خالقُ كلِّ شيء وهو على كل شيءٍ وكيل وإليه يرجع الأمرُ كله وهو الذي بيده ملكوت كل شيء وهو بكل شيءٍ محيط. ولأن اللهَ خالقُ الخَلق وهو الذي يُحيي ويميت وإليه المصير، ولأنه يعلمُ ما سيؤولُ إليه مآلُ كلِّ واحدٍ من بني آدم، ولأنه خلق الدنيا والآخرة، ولأنه يعلمُ ما انطوت عليه الدنيا وما ستشتمل عليه الآخرة من خبايا وخفايا، فإنه يحق له بالتالي أن يتحسَّر على عباده الذين ما قدروه حقَّ قدره فجَرَّ عليهم ذلك الشقاءَ في الدنيا والخلودَ في نار الآخرة (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (30 يس).
واللهُ تعالى هو الوحيد الذي يحق له أن يتحسَّر على عباده ولا يحق لأحدٍ آخر غيره ذلك، ومن ذلك أنه تعالى نهى رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم عن أن يتحسر على قومه إذ أعرضوا عنه وعن الحق الذي تنزَّل عليه (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (8 فاطر).
وبذلك يتبين لنا أن هناك حدوداً من غير المسموح لأحدٍ من الخلق أن يتعداها حتى وإن كان هو سيد الخلق كلهم أجمعين.
