التصوف مرآة التدخل الإلهي المباشر

التصوف نظامٌ تعبديٌّ صارم يُلزِم العبدُ به نفسَه فيكفل له هذا الالتزام أن يكون بمقدوره أن يجاهد نفسه مجاهدةً تكفل له أن يأمن مكرَها وشرَّها فيعود ذلك بالتالي عليه بما هو كفيلٌ بجعله قادراً على أن ينظر إلى آثار تدخُّل الله تعالى المباشر في أحداث الوجود. فإذا كان الوجود قد استقر بفعلٍ من الأسباب التي خلقها الله تعالى من مادة الوجود نفسه وسلَّطها عليه قوانينَ صارمةً لا يحيدُ عن الالتزام بها قيد أنملة، فإن لله أن يتدخَّل بشكلٍ مباشر في أحداث الوجود تدخلاً تنجم عنه وقائع وأحداث وظواهر تعجز هذه الأسباب عن التعليل لها. وهذه الوقائع والأحداث والظواهر هي ما درجنا على الإشارة إليها على أنها معجزات وكرامات وخوارق عادات. والتصوف، إذ هو مجاهدةٌ للنفس تقعد بها عن أن يكون بمقدورها أن تتسلَّط على العابد، يكفل لكل من تعبَّد اللهَ كثيراً حتى أجهدَ منه النفسَ وأرهق هواها أن يكون بمقدوره أن ينظر إلى ما يحيط به فيرى آثارَ تدخُّل الله تعالى المباشر. فهذا التدخل الإلهي المباشر هو العلة من وراء معجزات أنبياء الله عليهم السلام وكرامات أوليائه. وهذه الكرامات ليس هناك من سبيل إلى أن تتحلَّق حوالَي العبد إلا إذا ما تعهَّد العبدُ نفسَه بالمجاهدة حتى لا يجعل لها ما يُمكِّنها من أن تجعله عاجزاً عن اجتذاب ما يجعله يشهدُ بأم عينيه آثارَ التدخُّل الإلهي المباشر وهي تتجلى أمامه كراماتٍ ما كان لها أن تحدث لولا ما التزم به هذا العبد من نظامٍ تعبُّدي كفاه شرَّ نفسه.

أضف تعليق