
ما الذي بمقدورنا أن ننتهي إليه بتدبُّرنا ما هو عليه الإنسان في علاقته بأخيه الإنسان، وذلك إذا ما نحن تصفَّحنا كتب التاريخ، وإذا ما نحن أعملنا عقولنا في واقعه الذي نعيشه أفراداً وجماعات؟ لسنا بحاجةٍ إلى طول تفكُّر وإمعان نظر حتى نخلص إلى أن ما يميِّز حياة الإنسان على كوكب الأرض هو هذا العداء المضمر والمعلن بين الإنسان وأخيه الإنسان، والذي يتَّخذ أشكالاً تتلون وتتنوع بتعدد السياقات التي يتجلى من خلالها تبعاً للظروف الضاغطة والأقدار الحاكمة. فالإنسان برهن، وعلى مر الزمان، أنه لا قدرةَ له على أن يتعايش مع أخيه الإنسان دون توتر يشوب العلاقة القائمة بينهما والذي يبلغ مداه الأقصى ويتجلى تجلِّيه الأكمل في الحروب الطاحنة التي لا يكاد يخلو عامٌ منها! فالإنسان مضطرٌ إلى أن يتعايش مع باقي أفراد الجماعة الإنسانية اضطراراً توجبه عليه القوانين الوضعية التي اضطُر إلى صياغتها والامتثال لما تُمليه عليه، وذلك حتى تقوم للمجتمعات البشرية قائمة، وإلا فهي الفوضى القاتلة التي لم تكن لتُبقي، لولا هذه القوانين، على شيء إسمه البشرية.
وعلى الرغم من هذا الاستشراء لعداوة الإنسان لأخيه الإنسان، بكل تجلٍّ لها صغيراً كان أم كبيراً، فإن العقل البشري لا يزال عاجزاً عن الوقوع على تعليل وضعي بمقدوره أن يفسِّرها! فكل مقاربةٍ وضعية لهذه العداوة البينية المتأصلة بين بني آدم تخفق في جعلنا نفقه العلة من وراء هذا الذي يجعل الإنسان عاجزاً عن التعايش السلمي مع أخيه الإنسان إلا وسيف القانون الوضعي مسلطٌ على رأسه!
وكل من يجد في هذه الكلمات ذماً للإنسان يقدح فيما يتميز به من سمو أخلاقي مزعوم، لابد وأن يكون قد انطلق في حكمه الجائر على ما أقول من جهلٍ بحقيقة الإنسان التي كانت لتتجلى واضحةً أمام ناظريه لو أنه استذكر ما كان سيكون عليه حال مجتمعاتنا البشرية إذا ما غابت عنها شمس القانون ويده الحديدية! وقديماً قالت العرب “من أمِنَ العقوبةَ أساءَ الأدب”!
