
انتهيتُ في المنشور السابق إلى توصيف أبرز ما يميز الإنسان في تعامله مع أخيه الإنسان، وذكرتُ أنه هو هذا العداء الكامن الذي ينتظر الفرصةَ المناسبة والظرفَ الضاغط الكفيل بجعل ما استتر من هذه العداوة البينية المتأصلة بين بني آدم تتجلى وتظهر للعيان. كما وبيَّنتُ أن العلم الوضعي الذي بين أيدينا عاجزٌ عن التعليل لهذا العداء لبعضنا والمتأصل فينا. وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى واحدةٍ من عجائب قرآن الله العظيم التي يتبين لنا بتدبُّرها أن هذا القرآن قد جاء فيه ما يُمكِّننا من التعليل لهذه العداوة البينية المتأصلة بين بني آدم. فتدبُّر آيات القرآن العظيم التي فصَّلت ما حدث لآدم وزوجه في الجنة كفيلٌ بجعلنا نتبيَّن هذه العلة التي لابد من الالتجاء إليها كيما يكون بمقدورنا أن نفقه هذا الذي يجعل من الإنسان عاجزاً عن أن يتعايش مع أخيه الإنسان من غير تدخُّلٍ يفرضه القانون.
وهكذا يتبيَّن لنا أن لقرآن الله العظيم عجائبَ موقوتٌ أوانُ تجلِّيها بزمانٍ ليس لها أن تتجلى قبله ولا بعده. فزماننا هذا برهن على عجز إنسانه عن أن يُعلِّل لما هو عليه من عدوانٍ غير مبرر وقرآننا فيه الإجابةُ على ما استعصى على هذا الإنسان أن يضع يده عليه فيُعلِّل به لهذا العدوان (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف).
