
ليل المتقين ليس كليل غيرهم من بني جلدتهم البشر. فالمتقون من بني آدم مشغولون بالله ليل نهار. وانشغالهم هذا بالله تعالى يتجلى عليهم أقوالاً وأفعالاً وأحوالاً. ومن ذلك أنهم لا يكادون يهنأ لهم بال ولا يستقرون على حال وهم على فرُشهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال يتفكَّرون فيما سيكون عليه حالُهم يوم العرض الأكبر، يوم يُعرضون على الله تعالى فيحاسبهم على ما كان من حالهم معه في حياتهم الدنيا. ولقد وثَّق قرآن الله العظيم لهذا الحال في مواطن منه كثيرة: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(15)تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(16)فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة).
وهؤلاء الذين هذا هو حالهم مع الله تعالى هم عباد الرحمن الذين ذكرت سورة الفرقان أنهم يبيتون لربِّهم سُجَّداً وقياماً: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64)وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا(65)إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا).
وكيف يكون ليل المتقين كليل غيرهم وهم الذين كان لهم في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسوة حسنة، وهو الذي أمره الله بأن يقوم الليل إلا قليلاً: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1)قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا(2)نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا(4)إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5)إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) (المزمل).
فالمتقون هم الذين ائتمروا بما أمر اللهُ حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن ذلك أمرُه تعالى له: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (114 هود).
وكيف يستقر للمتقين رأسٌ على وسادة وهم الذين لم يهجروا لحظةً ما جاء به قرآن الله العظيم الذي أمرَ رسولَه صلى الله تعالى عليه وسلم بما جاءته به سورة الإنسان (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(25)وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا).
إذاً لا مجالَ هناك لمقارنةٍ بين مَن ينام قرير العين غافلاً عن أخراه وبين من تؤرِّقه آخرته فلا تجعل للنوم عليه سلطاناً إلا قليلاً (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (9 الزمر).
