آياتُ اللطيف بشرى وتخويف

أنزلَ اللهُ تعالى دينَه الإلهي حتى يُعرِّف الإنسان بما ليس بإمكان عقله أن يهتدي إليه وحده. فعقل الإنسان لم يُخلَق ليُمكِّنه من التوصل إلى ما لم يكن من مفردات عالم الشهادة. وعالم الشهادةِ هذا هو الواقع الذي قُيِّض لحواس الإنسان أن تتفاعل معه وتستمد منه أصولَ ومقومات تفكيره العقلي. ولذلك لم يكن مقدَّراً لعقل الإنسان أن يستقرئ مفردات واقعه ليستنبط منها ما يدلُّه بالنتيجة على أن لهذا الوجود إلهاً هو الله، وأن هذا الوجود زائل إلى غير رجعة، وأن وجوداً أبدياً سيجيء فيحل محله. فهذه كلها جميعاً مفرداتٌ تنتمي إلى عالم الغيب الذي غيَّبه اللهُ تعالى عن حواس الإنسان وجعله بالتالي عاجزاً عن أن يتفاعل معها بعقله. وهذا هو الذي حتَّم وجوب أن يُصار إلى تعليم الإنسان ما لم يعلم، وذلك بوساطةٍ من قلم الله تعالى الذي خطَّ كتبَه الإلهية التي أنزلها على رسله الكرام عليهم السلام حتى يكون لعقل الإنسان أن يعلم بعضاً مما غُيِّب عنه ويعمل على هديٍ منه فيكون له من بعدُ أن يحيا حياةً طيبةً في هذه الدنيا ويسعد في الآخرة أبداً.

ولذلك أيضاً كان لمتدبِّر القرآن العظيم أن يقع فيه على كل ما من شأنه أن يُعينه على تبيُّن ما انطوى عليه يوم القيامة من عذابٍ أليم، لابد وأن يحرص الحرص كله على أن لا يكون هو مصيره ،ونعيمٍ أبدي سيُخلَّد فيه إن هو آمن وعمل صالحاً وذلك وفق ما جاءه به هذا القرآن. ويكفي متدبِّر القرآن العظيم ما جاءته به آياتٌ منه فصَّلت لهذه البشرى وذاك التخويف حتى يتبيَّن له أن هذا القرآن ما هو إلا رسالة تذكيرٍ بالآخرة إنذاراً وتخويفاً من نارها وبشرى بجنَّتها: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير. ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (من 22 -23 الشورى)، (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) (15 -16 الزمر).

أضف تعليق