“كلٌّ هو الآخر”

“كل هو الآخر وما من أحد هو نفسه” Chacun est l’autre et personne n’est soi واحدةٌ من أشهر العبارات الفلسفية الصادقة التي تفتَّقت عنها عبقرية الفلسفة الوجودية التي شاعت وراجت في أوساط مثقفينا خمسينيات القرن الماضي. وهذه العبارة الحكيمة قد سبق إليها شاعرنا العربي القديم الذي جادت قريحتُه بهذه الكلمات الصادقة: “الناسُ كالناسِ والأيامُ واحدة”!

فنحن بشرٌ وإن اختلفنا عرقاً أو جنساً أو لوناً أو ديناً أو طائفةً أو مذهباً أو مستوىً اجتماعياً. وبشريتنا هذه تجعل من كل واحدٍ منا نسخةً عن الآخر، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بما خُلقنا به من نفسٍ وهوى. فكلنا في النفس والهوى سواء، وما يفرِّق بيننا لا قدرةَ له على أن ينفذ عميقاً بعيداً عن السطح الذي تتجلى عليه مفردات هذا الاختلاف. فالإنسان هو الإنسان في كل زمانٍ ومكان. ولو أننا أمعنَّا النظر بعينين تنظران إلى الواقع، فترى ما انطوى عليه من حقيقة، لأدركنا أن كلاً منا هو الآخر وأن الآخر هو نحن! ولذلك يبرهن كلُّ مجافٍ لهذه الحقيقة على أنه ليس من “أهل الحقيقة” بهذا الجهل منه بحقيقة الإنسان! ولذلك أيضاً كان الإرهاب برهاناً على جهالة ممارسيه. فلو أن الإرهابي كان على شيء لتبيَّن له أن من اعتدى عليهم من مخالفيه في الدين أو المعتقد أو اللون هم أشياعه وأمثاله، وألا فرق هناك حقيقياً بينه وبينهم! فالنفس التي ابتُلي هو بها قد ابتلوا هم أيضاً بها، ولو أنه كان حقاً من “أهل الحقيقة” لنظر إلى مخالفيه كما لو أنه ينظر في المرآة فيرى انعكاساً لنفسه!

وبذلك يتبيَّن لنا بطلان الأساس الآيديولوجي الذي يستند إليه الإرهاب في تسويغه للعدوان الظالم على “الآخر” الذي هو في حقيقته عدوانٌ ظالمٌ على “الأنا” قبل أن يكون أيَّ شيء آخر.

أضف تعليق