الذرية الطيبة

انتهيتُ في منشورٍ سابق إلى أن “الذرية الصالحة” مطمحٌ ليس باليسير تحقُّقه، وذلك طالما كان الأمر منوطاً بما ليس للوالدين قدرةٌ على الإمساك بتلابيبه إحاطةً شاملة بعِلله وأسبابه. ولذلك توجَّه سيدُنا زكريا عليه السلام إلى الله عز وجل بأن يُنعم عليه من لدنه بذريةٍ طيبة (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (38 آل عمران).والذرية الطيبة هذه هي التي بالإمكان تبيُّن ما هي عليه من صفاتٍ وخِصال وحالٍ مع الله تعالى، وذلك بتدبُّر ما جاء بشأنها في قرآن الله العظيم: (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (87 الأنعام)، (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (8 غافر)، (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) (23 الرعد).

والذرية الطيبة بذلك هي التي تكون طيبةً بطيبِ ما سيكون عليه أمرها وحالها مع الله تعالى. فصلاح الحال مع الله هو الذي يجعل من المرء صالحاً، وهو الذي يجعل منه مستحقاً أن يُحييَه الله حياةً طيبة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (97 النحل). فالطيب هو مَن طابَ حالُه مع الله فكانت حياتُه بالتالي طيبةً هي الأخرى. والذرية الطيبة يتعهدها اللهُ تعالى بتنشأةٍ يتكفَّل هو بتدبير كل ما يجعل منها قرةَ عينٍ للوالدين بهذا الذي يميِّزها به من انتهاجٍ لصراطه المستقيم دونما حيودٍ عنه ولا اعوجاج. ولذلك كانت الذرية الطيبة رزقاً من عند الله وفضلاً ورحمة. وهذا لا يتأتى للوالدين إلا بمشيئةٍ من الله تعالى وإذن. فالأمر ليس لنا حتى تجيء الذريةُ صالحةً طيبة ولكن الأمرَ بيد الله تعالى الذي فرض علينا عبادتَه ووعد بأن تجيء أمورُنا من بعدُ موافقةً لما نأمل ونرجو وذلك من بعدِ استيفاء الشرائط التي دونها لن يتحقق المأمول. وهذا قانونٌ عام يلزم عنه تحقُّق المطلوب من الله تعالى ولا يُلزِم اللهَ تعالى بأن يحققه دائماً أبداً وذلك طالما كانت الأقدار من صنع حكيمٍ خبير هو الأدرى بمآلات الأمور وخبايا الصدور.

أضف تعليق