
انتهيتُ في المنشور السابق إلى أن لا معنى لأي كلامٍ حول “إصلاح الدين”، وذلك طالما كان الدين من صنع الله الذي أتقن كل شيء. وكل حديثٍ عن الإصلاح، إذا ما كان يستهدف الدين، هو حديثٌ لا طائل من ورائه. وكل متحدِّث عن “إصلاح الدين” هو أحد إثنين لا ثالث لهما؛ فإما أن يكون حديثه هذا ناجماً عن جهلٍ بالموضوع، وإما أن يكون في قلب المتحدِّث مرض والعياذ بالله. وإذا كان الدين متعالياً على الزمان، صالحاً لكل إنسان، فكل حديثٍ بالتالي عن “الإصلاح الديني” لا يعدو أن يكون خرصاً وخبالاً نحن في غنى عنهما. ولقد أدى الخلط بين الدين والتديُّن إلى إسقاط عيوب البعض من المتديِّنين على الدين نفسه فجاء حديث “الإصلاح الديني” هذا بما جعل منا نصدِّق أوهام القائلين بضرورة “إصلاح الدين” فصار مقبولاً لدينا أن نناقش ما ينبغي علينا القيام به حتى “نصلح الدين” مما أصابه من اعوجاج على مر السنين، وفاتنا بذلك أن نستذكر أن في هذا تناقضاً بيِّناً طالما لم نستذكر أن الدين لا يمكن بحال أن يطاله فساد طالما كان الله تعالى قد تعهَّده بالحفظ والصيانة! ولو أننا أنصفنا لتبيَّن لنا أن العيب فينا لا في ديننا، وأن “تديُّننا” هو الذي يتوجب علينا أن نُعمِل فيه عقولَنا حتى نقوِّمه التقويم الذي يجعل منه تمام التطبيق بإتقان لما جاء به دينُنا.
إذاً فإصلاح تديُّننا هو ما ينبغي أن يكون شاغلنا. وكلُّ حديثٍ عن “الإصلاح الديني” هو في حقيقة الأمر خوضٌ في متاهات الفسوق الذي وصفه قرآن الله العظيم بأنه “بئس الإسم” (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) (من 11 الحجرات).
