
يخطئ الإنسان إذ يظن أن بنياناً أُسِّس على غير تقوى من الله ورضوان له أن يدوم أبداً! فلقد جاءنا القرآن العظيم بما هو كفيلٌ بجعل مَن يتدبَّر آياته الكريمة ينتهي إلى الوقوع على حقيقةٍ لا مراء فيها وهي أن كل بنيانٍ هكذا هو حال صاحبه مع الله تعالى مصيره إلى الانهيار دنيا وآخرة (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة).
ولذلك كان الناظر بعينِ عقلٍ مؤمنٍ بالله تعالى إلى كل بنيانٍ لم يؤسَّس على تقوى من الله ورضوان يرى فيه ما لا يراه الآخرون من علامات هذا الانهيار القادم لا محالة. ولذلك أيضاً كان الناظر بنور الله تعالى إلى بنيانٍ كهذا لا يغرُّه ما يرى فيه من دلائل وعلامات القوة والمَنَعة، فهو مستيقنٌ من صدق ما توعَّد اللهُ به مَن أسَّس بنيانه على غير تقوى منه ورضوان. ويستوي في ذلك كلُّ بنيانٍ شيَّده الإنسان في أي مضمار، ومن ذلك كلُّ بنيانٍ عقائدي أو معرفي. فالعلم النظري مؤسَّسٌ بنيانه على غير تقوى من الله ورضوان، ولذلك فإن مصيره هو الانهيار الحتمي عاجلاً أم آجلاً. ولا أدل على ذلك من أن هذا العلم، الذي أسَّس لبنيانه صانعوه على غير تقوى من الله ورضوان، عاجزٌ عن أن يتعامل التعامل المعرفي القويم مع ظواهر الوجود مألوفها وخارقها للعادة. فإذا كان ما بين أيدينا من علمٍ نظري قد علَّل لوقائع وأحداث وظواهر الوجود المألوفة، وبما يكفل ألا يكون هناك من داعٍ للالتجاء إلى الله تعالى علةً لهذا الذي يحدث في الوجود من هكذا ظواهر، فإنه لأعجز من أن يطال ببنيانه المعرفي المؤسَّس على غير تقوى من الله ورضوان تلك الظواهر والوقائع والأحداث التي آثر أن ينصرف عنها فلا يوليها ما تستحقه من دراسةٍ وأبحاث كانت لتجعل منه أكثر تواضعاً وهو يصدر أحكامه القاطعة بأن لا معنى هناك لوجود الله تعالى.
