
شاعَ فينا وراجَ اعتقادٌ خاطئ مفاده أن الإنسان قادرٌ بعقله وحده على أن يهتدي إلى الله تعالى! وهذا الاعتقاد مخالفٌ لطبائع الأمور ومناقضٌ لما هي عليه ولما تمايزت به الأشياء وتفرَّدت تميزاً واختصاصاً. فعقل الإنسان لم يخلقه الله تعالى حتى يكون أداته المعرفية التي بها يُمكَّن من سبر أغوار ما غيَّبه اللهُ تعالى عنه من حقائق وأسرار. فكل ما بمقدور هذا العقل أن يصل إليه محدود بتلك الحدود المعرفية التي فرضها اللهُ تعالى على الكون بصفته “عالَم الشهادة”. أما “عالَم الغيب”، فهو مغيَّب عن الإنسان فلا قدرةَ لعقله بالتالي على أن ينفذ إليه. ومن هنا استحال على عقل الإنسان أن يهتدي وحده إلى الله تعالى. ولقد أكَّد هذا قرآنُ الله العظيم الذي قطع باستحالة أن يتأتى للإنسان الوصول إلى الحقيقة المطلقة وحده دون هديٍ من الله تعالى.
ويكفينا أن نستذكر في هذا المقام ما جاءتنا به الآية الكريمة 38 من سورة البقرة (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون). إذاً فالهدى هدى الله ولا اهتداء إلى الله إلا بالله (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) (من 73 آل عمران)، (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) (من 120 البقرة). فعقل الإنسان عاجزٌ عن أن يهتدي وحده إلى الله، وكل ما بمقدور هذا العقل أن يفعله لا يعدو أن يكون اتّباعاً لما جاءه من الله من الهدى وذلك على قدر تعلُّق الأمر بالدين والتديُّن.
