العلم الوضعي والعلم الغيبي

انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان ما بين “الكون” و”الوجود” من تباين يقتضي وجوبَ ألا نُماهي بينهما فنتوهم واحدَهما الآخر. فإذا كان العلم الوضعي معذوراً فيما يظن ويتوهم من مماهاةٍ بين “الكون” و”الوجود”، فليس لنا عذرٌ في أن نحذو حذوه ونحن الذين شرَّفنا اللهُ بقرآنه العظيم الذي أنزلَه تبياناً لكل شيء، ومن ذلك أن الوجود يشتمل على عوالم لا يمثل الكونُ إلا واحداً منها! وبذلك يكون العلمُ بما يجري في الكون من تفاعلاتٍ بين مفرداته قاصراً عن أن يشتمل على ما يجعل منه علماً بالوجود. فعلم الكون هو غير علم الوجود، وذلك طالما استحالَ على الكون أن يشتمل على الوجود بحذافيره. ولقد مكَّن اللهُ تعالى عقلَ الإنسان من الإحاطة بكثيرٍ من مفردات علم الكون في الوقت الذي غيَّب عنه ما يُمكِّنه من أن يحيطَ بشيءٍ من علم الوجود إلا بإذنه (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (من 255 البقرة).

وإذا جازَ لنا أن نسمي علم الكون بـ “العلم الوضعي”، وذلك لأنه علمٌ وضعه الإنسان وصاغه عقلُه، فإنه يجوز لنا أن نسمي علم الوجود بـ “العلم الغيبي” الذي لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يحيط بشيءٍ منه إلا بما شاءَ الله.

أضف تعليق