
الكون (Universe)، وفقاً لما جاءنا به القرآن العظيم، هو ليس الوجود (Existence) كما قد يتوهم البعض وذلك استناداً إلى مقاربةٍ تفتقر إلى التروِّي والتمهُّل اللذين يكفلان للمرء أن يتبيَّن ما بين الكون والوجود من تمايزٍ يحتِّم وجوب ألا يُصار إلى تعريف الواحد بالآخر. فالكون هو ما بالإمكان أن نطلق عليه “عالَم الشهادة” والذي هو هذا العالم الذي بإمكاننا أن ننظر إلى مفرداته فنراها بالعين المجردة أو بما تسنى لعلم الفلك أن يُبدعه من آلاتٍ وأجهزة. والكون لا يمثل إلا مفردةً من مفردات هذا الوجود الذي يشتمل أيضاً على عالَم الغيب والذي لا قدرةَ للإنسان على الإحاطة به بعينه المجردة أو بآلاته وأجهزته. فالوجود هو عالَم الشهادة الذي يعرفه العلم الوضعي وعالَم الغيب الذي لا يحيط به على ما هو عليه حقاً وحقيقةً إلا الله تعالى عالِم الغيب والشهادة.
ويخطئ العلمُ الوضعي إذ يقطع بانتفاء وجود عالَم الغيب، وذلك لأن عدم قدرة هذا العلم على الإحاطة المعرفية بعالم الغيب لا يمكن أن تكون برهاناً على عدم وجوده! فعالَم الغيب، هو بحكم التعريف، يستعصي على هكذا إحاطة طالما لم تكن عين الإنسان، ولا ما تمكن الإنسان من صنعه من آلاتٍ وأجهزة، بقادرةٍ على أن تتفاعل مع مفرداته الغيبية وبما يُمكِّنه من أن ينظر إليها فيراها كما بمقدوره أن ينظر إلى الكون فيراه.
وبذلك يتبيَّن لنا أن الفرق شاسعٌ بين خطاب العلم الوضعي القائم على أساسٍ من ألا وجود هناك إلا لهذا الكون، وبين خطاب الدين الإلهي المؤسَّس على أن الوجود يشتمل على عالَمين هما عالَم الشهادة (هذا الكون) وعالَم الغيب.
