
الحمد لله الذي علَّمنا قرآنُه العظيم أن هذا الوجودَ أكبرُ مما يريدنا عقلُنا أن نظن بشأنه. فهذا الكون، على عظيم اتساعه، لا يمكن أن يكون كل ما هنالك وذلك لأن الله قد أبانَ لنا في قرآنه العظيم أنه لطيف؛ ومن تجليات لطفه تعالى أنه خلق عوالم لطيفةً فلا قدرةَ لنا بالتالي على أن نحيط بها. وكونُنا هذا تتواجدُ فيه هذه العوالم في تداخلٍ لا قدرةَ لنا على إدراكه وذلك لفرط تلطُّف مفردات عوالم الوجود اللطيفة هذه التي تُشكِّل هي وكوننا هذا الوجودَ الذي خلقه اللهُ تعالى وجعله مرآةً يتجلى فيها من صفاته الإلهية ما يوجِب على المتدبِّر فيها أن ينتهي إلى تصديق ما جاءه بشأنها قرآنُه العظيم.
فهذا الوجود أكبر من كوننا هذا وذلك بسببٍ من تواجد مخلوقاتٍ لها عوالمُها المتداخلة مع هذا الكون. فالملائكة والجن يتواجدون في هذا الكون تواجداً يترتَّب عليه أن يكون هناك من الطاقات والقوى والتفاعلات ما تتمايز عن تلك التي لا تقوم بدونها لهذا الكون قائمة. ولذلك كان العلم الوضعي الذي بين أيدينا عاجزاً عن أن يحيط بهذه العوالم الخفية اللطيفة التي تلطَّفت بسببٍ من كون تفاعلاتها هذه تجري وفقاً لقوانين متعالية على مادة كوننا هذا. فتواجد العوالم هذا لا يُحتِّم ضرورةَ أن يكون بمقدورنا أن نحيط بها علماً. فإذا كان بمقدور الملائكة والجن أن ترانا، فإن هذا لا يعني على الإطلاق أن بمقدورنا أن نراها نحن أيضاً. ولنا أن نتصور ما يجري في كوننا من تفاعلاتٍ جراء تواجد هذه العوالم اللطيفة الخفية. ويخطئ العلم الوضعي الذي بين أيدينا إذ يظن ويتوهم أن ما توصَّل إليه بشأن كوننا هذا من قوانين تُنظِّم تفاعلات موجوداته هو كل ما هنالك في الوجود من قوانين! فالقرآن العظيم يحفل بذكر الكثير من الظواهر التي لا تفسيرَ لها وفقاً لقوانين الكون التي مكَّن اللهُ تعالى عقلَ الإنسان من الوقوع عليها. وهذه الظواهر لا تفسيرَ لها إلا بتلك القوانين التي جعل اللهُ تعالى عوالم الوجود اللطيفة الخفية يستقيم حالُها بتسلُّطها على موجوداتها وبتنظيمها لتفاعلاتها.
إن العقلَ المؤمن إذ ينظر إلى الوجود، فإنه لا يجزم بأن ما تراه عيناه منه هو كل ما هنالك وذلك لأنه يستذكر على الدوام أن لطف الله تعالى لابد وأن يكون من بين تجلياتِه تواجدُ عوالمَ لطيفة خفية تُشكِّل مع كوننا هذا الوجود الذي وصفه قرآن الله العظيم بأنه “ملكوت السموات والأرض”.
