
يريدُنا العلمُ المعاصر أن ننظر إلى ما جاءنا به واضعوه وصائغوه فنراه كلاً واحداً متجانساً فلا نُفرِّق بين مجرَّده ومجرَّبه! وهذا أمرٌ لا ينبغي للعاقل الحصيف أن يجاري فيه “الاتجاه السائد” بذريعة أن العقلَ الذي جاء بكلٍّ منهما هو عقل الإنسان ذاته. وبذلك يريدنا العلم المعاصر ألا نُمايز بين “علمٍ تجريدي”، هو بحكم التعريف مجرَّدٌ عن كل ما يمتُّ للواقع بِصلة، وبين علمٍ تجريبي قائمٍ، بحكم التعريف، على أساسٍ من هذا الواقع! فالعلم التجريدي هو علمٌ قائمٌ على أساسٍ من التنظير الذي يفترض وجودَ كينوناتٍ يستندُ إليها حتى يكون بمقدوره أن يعلِّل لما يحدث في الوجود من وقائع وأحداث وظواهر. وبذلك يختلف العلم التجريدي عن العلم التجريبي الذي لا يحتاج إلى اختراع هكذا “كينونات نظرية” ليس بالإمكان التيقُّن على الإطلاق من أنها موجودةٌ حقاً. فالعلم النظري هو علمٌ تجريدي بقيامه على أساسٍ من هذه “المفردات المجرَّدة” عن أي انتماء لهذا الواقع، وهو علمٌ تجريديٌ أيضاً لأن مفرداتِه غير الواقعية هذه مجرَّدةٌ عن الانتماء لعالم الحقيقة أيضاً.
وإن تعجب فعجبٌ ما يقطع به مَن قام بوضع وصياغة العلم التجريدي بأن الدين الإلهي “غير حقيقي”، وذلك بحجة أنه قائمٌ على أساسٍ من “مفرداتٍ غيبية” لا يشهد لها الواقع بأنها تملك أي حظ من الوجود! ولقد فات هؤلاء أن الدين الإلهي، وإن كان “كياناً تجريدياً” هو الآخر، إلا أنه يتفوق على العلم التجريدي ويتعالى عليه بهذه القدرة المميزة له على أن يجيء بما هو كفيلٌ بإثبات صِلة وَصله بمن يزعم أنه مَن وضعه وقام بصياغته معجزاتٍ وكرامات وخوارقَ عادات يعلل لها هذا الدين بأن مَن أذن لها بأن تحدث هو عينُ مَن وضع وصاغ هذا الدين.
