
خلق اللهُ تعالى الإنسانَ لعبادته فجعله ذا عقلٍ جبار ليُعينه على القيام بما تتطلبه العبادة من تفكُّرٍ وتدبُّرٍ يعينانه على نفسه التي ستنبري له بالمناكفة فتناصبه العداء جراء ما سيضطرها إليه ويحملها عليه بهذه العبادة. فاللهُ تعالى ما كان ليخلق الإنسانَ لعبادته دون أن يزوِّده بما يُعينه عليها. إلا أن الإنسان آثر أن ينصاع لنفسه عوض أن يفرَّ بها إلى ربِّه، فكان أن عادَ ذلك عليه بما جعل من عقلِه الجبار ينقلبُ نقمةً عليه من بعد أن كان نعمة! وليس أدل على ذلك من حال الإنسان الفار من الله تعالى. فالفارُّون من الله سوف تستحيلُ حياتُهم معيشةً ضنكاً؛ كيف لا وعقلُ الإنسانِ الفار من الله سوف لا يجد أمامه سبيلاً غير الانشغال بسفاسف الأمور وتوافهها وترَّهاتها انشغالاً سيجعل من حياته وحياة المحيطين به جحيماً لا يُطاق؟! فالعقل الجبار الذي خُلق مؤهلاً ليعبد اللهَ تدبُّراً وتفكُّراً وذكراً، سوف يُحيلُ حياةَ الفارين من الله عذاباً وعناءً شديدين بهذا الانشغال منه عن الله تعالى بالنفس وهواها وبالآخرين! فواحدنا إن لم يُشغِل عقلَه بما خُلق لأجله سوف ينشغل بالضرورة بآراء الآخرين فيه ونظرتهم إليه حرصاً منه على أن ينالَ استحسانَهم وإعجابَهم، وهذان أمران إن نحن حرصنا على أن نحظى بهما ضيَّعنا العُمُر كله في بحثٍ مضنٍ عن سرابٍ يحسبه الضمآن ماء! (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (39 النور).
