
ما كان لسيدنا آدم عليه السلام أن يكون له وجودٌ لولا أن الله تعالى نفخ فيه من روحه فصيَّرته تلك النفخةُ الإلهيةُ إنساناً في أحسن تقويم. ولقد تحدثتُ في منشوراتٍ عدة عن كُنه وماهية هذه النفخة الإلهية المقدسة وبيَّنتُ أنها ليست بأكثر من قول الله تعالى لسيدنا آدم عليه السلام “كن فيكون”: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (59 آل عمران).
فنفخة “كن فيكون” إذاً هي ليست إلا قولُ الله تعالى “كن فيكون”. وإذا كان سيدُنا آدم عليه السلام قد تصيَّر فأصبح إنساناً في أحسن تقويم بنفخ الله تعالى فيه من روحه، فإن سيدنا المسيح عليه السلام قد تسنى للسيدة مريم عليها السلام أن تحمل به، وذلك بنفخ الله فيها من روحه: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (91 الأنبياء).
ويحق للمرء أن يتساءل لماذا لم ينفخ الله تعالى في سيدنا المسيح عليه السلام من روحه عوض نفخه في السيدة مريم عليها السلام من روحه؟ إن الإجابة على هذا السؤال تبرهن وبما لا يقبل الشك على أن هذه النفخة الإلهية هي ليست كما يظنها البعض ويتوهمها نفخةً صار بموجبها لسيدنا آدم عليه السلام روحٌ كانت بها حياته! وإلا أفلم يكن ذلك يقتضي أن ينفخ الله تعالى في سيدنا المسيح عليه السلام من روحه حتى يكون له وجود؟! إن نفخ الله تعالى في السيدة مريم عليها السلام من روحه هو الذي أدى إلى تخلُّق المسيح عليه السلام وذلك بقوله تعالى له “كن فيكون”، والأمر ليس له علاقة من قريب أو بعيد بـ “الروح” التي يظن البعضُ منا ويتوهم أنها سرت في المسيح عليه السلام بنفخ الله تعالى فيه من روحه!
