
هل اليأس هو الاستيئاس أم أن هناك فرقاً بينهما يوجب على متدبِّر القرآن العظيم أن يتبيَّنه حتى لا يقع في محظور الظن فيتوهم ما ليس بحق؟
ورد “الاستيئاس” مرة واحدة في القرآن العظيم وذلك في الآية الكريمة 110 من سورة يوسف (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ). أما “اليأس”، فلقد ورد ذكره في القرآن العظيم في الآيات الكريمة: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) (من 3 المائدة)، (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون) (من 87 يوسف)، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (23 العنكبوت)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) (13 الممتحنة)، (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ..) (من 4 الطلاق).
يتبين لنا بتدبُّر هذه الآيات الكريمة، وذلك بقراءتها بدلالة من آية “استيئاس الرسُل” الواردة أعلاه، أن “الاستيئاس” و”اليأس” ليسا بمعنى. إذ أن الاستيئاس هو أن يخالط حالَ العبد مع الله خيطٌ من اليأس والذي لن يستمكن العقل ولن يتملَّك القلب إلا بمقدارٍ لا يجعل منهما يقطعان الأمل بالله قطعاً لا يقوم به إلا مَن تحجَّر عقلُه وقسى قلبُه بسوء ظنِّه بالله. فالاستيئاس قائمٌ على أساسٍ من الظن غير المنتهي إلى ترجيحٍ ولا تغليبٍ ولا إفرادٍ لليأس. وهو بذلك يدل على ضعفٍ يعتور حال العبد مع الله يجعله يُقلِّب فكرَه فيما هو عليه من يقينٍ بما وعد الله ومناوشاتٍ تقوم بها النفس إذ تُشكِّكه في هذا الذي وعد الله.
