
يخطئ مَن يتوهم العلمَ المعاصر منظومةً معرفيةً بعيدةً عن التنظير غير المستند إلى خيالاتٍ مصطبغة بإيديولوجيا فرضها علينا علماؤه الذين استعصى عليهم أن يتحرروا مما تجعلهم هذه الآيديولوجيا مضطرين إلى إقحام أنفسهم فيه خوضاً في متاهاتٍ وضلالات لا علاقةَ لها من قريبٍ أو بعيد بمادة هذا العلم. فمادة العلم الوضعي هي وقائع وظواهر وأحداث هذا الوجود، والتي تسنى لعلمائه أن يُعمِلوا فيها عقولَهم. وهذه كلُّها جميعاً لا تملك على الإطلاق أن تقول بما يُصر هؤلاء على أن يقوِّلوها إياه! ففي الوقت الذي كان ينبغي على العلم المعاصر أن يقر بـ “لا أدريته” حيال قضية وجود الله، وذلك لأنها قضيةٌ لا يملك حيالها غير أن ينتهي إلى وجوب القطع بأن احتمالية وجود الله تتطابق مع احتمالية عدم وجوده تعالى، تراه يجزم دون بيِّنة ولا برهان فيرجِّح، بل ويقطع، بأن الله تعالى غير موجود! ولو أنصف العلم المعاصر لكان حرياً به أن يجهر بـ “لا أدرية” يلزمها فلا يفارقها طالما لم يكن بمقدوره أن يقدِّم الدليل والبرهان على انتفاء وجود الله كما أنه ليس بقادرٍ على أن يبرهن على وجوده تعالى.
