
انتهيتُ في المنشور السابق إلى تفنيد دعوى العلم المعاصر بألا حاجة هناك إلى افتراض أن اللهَ تعالى موجود، مبيِّناً أن هذه الدعوى داحضةٌ وباطلة طالما ليس بمقدور ما بين أيدينا من علمٍ وضعي أن يقطع ويجزم بانتفاء وجود الله تعالى قطعاً وجزماً لا سبيلَ له إليهما طالما كان كل ما بوسعه أن يُعمِل فيه أدواته المعرفية هو هذا الواقع الذي يقول الدين بأنه لا يمثِّل من حقيقة ما هو موجود في الوجود إلا النزر اليسير. فإذا كانت مقالة الدين الرئيسة تستند إلى أن “اللهُ أكبر” من “الواقع العلمي” الذي لا قدرةَ للعلم على تجاوز حدوده، فكيف يجترئ هذا العلم على نفي احتمالية وجود الإله الذي يقول به الدين؟!
ولقد بالغ العلمُ المعاصر في النأي بنا عن جادة الصواب إذ اضطرتنا مقولاتُه الإيديولوجية وتنظيراتُه الافتراضية إلى “تكييف” نظرتنا إلى الواقع حتى لا نرى فيه إلا ما يريدُنا هو أن نراه فلا يكون والحالُ هذه بمقدورنا أن نتدبَّر ما جاءنا به الدينُ الإلهي من حقائق لو أننا استعنَّا بها لمكنتنا من أن نوسِّع من آفاق نظرنا إلى هذا الواقع حتى يكون بمقدورنا أن نراه لا كما يريدنا العلم الذي بين أيدينا، ولكن كما بوسع هذه “النظرة المتديِّنة” أن تريَنا إياه: واقعاً لا قدرةَ له على مجاراة العلم الوضعي فيما يدعونا إليه من تغليبٍ لاحتمالية ألا يكون لله وجود على احتمالية وجوده تعالى.
وسوف أسوق في هذا المنشور دليلاً يبيِّن هذا التباين في “التعامل المعرفي” مع الواقع بين العلم الوضعي والدين الإلهي.
فالعلم الوضعي يحرص الحرصَ كله على أن ننظر إلى الإنسان والحيوان بعينٍ لا ترى إلا ما يتشابه به كلاهما، وذلك حتى ننتهي من بعد هذه النظرة المتعسِّفة المبتسرة إلى وجوب الإقرار بما يقول به هذا العلم من أن الإنسانَ سليلُ الحيوان! بينما يدعونا الدين الإلهي إلى أن ننظر إلى الإنسان والحيوان بعينٍ ترى ما بينهما من تشابهٍ شديد في الوقت الذي لا تتغافل عن تبيُّن ما يُفرِّق بينهما من شديد تناشز وتباين إن نحن تدبَّرناه بعقلٍ متحررٍ من أيةِ أفكارٍ مسبقة كان لنا أن نخلص إلى أن قصة الإنسان لا يمكن على الإطلاق أن يُكتفى بالحيوان أصلاً وحيداً لرصف أسطرها!
إذاً هذا مثالٌ من بين العديد من الأمثلة التي بالإمكان سوقُها حتى يتبيَّن لنا مقدار ما جناه العلمُ الذي بين أيدينا على الحقيقة بنظرته “الواقعية” إلى عالمها المتجاوز بحكم التعريف لهذا الواقع!
