
انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان ما يتفوَّق به الدين الإلهي على العلم الوضعي والذي لا قدرةَ له على أن يتعدى حدوده المعرفية التي فرضها عليه عجزُه عن أن يكون بمستطاعه أن يتعالى على هذا الواقع الذي أنبأنا الدين بأنه ليس كل ما هنالك. ولقد بيَّنتُ في ذلك المنشور أن العلم المعاصر عاجزٌ عن أن يجيئنا بالقصة الحقيقية لتطور الإنسان وذلك بالمقارنة مع ما بمقدور الدين الإلهي أن يأتينا به من تفاصيل دقيقة لما حدث فجعل من الإنسان يتسيَّد كوكب الأرض. ولقد ذكرتُ في ذلك المنشور بعضاً من مفردات التفوق المعرفي للدين الإلهي على العلم الوضعي، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بالرؤية الصحيحة إلى ما يتشابه به الإنسان والحيوان وما يفرِّق بينهما.
وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى الإجابة على سؤالٍ لابد وأن يقفز إلى البال إذا ما نحن تدبَّرنا واقع حال الإنسان والحيوان على هذه الأرض. فلماذا لم ينقرض الإنسان على الرغم من كونه عاجزاً عن ألا يكون مفسداً في الأرض، وذلك مقارنةً بالحيوان الذي كشف تاريخه الطويل على هذه الأرض عن مدى التزامه بقوانين الطبيعة التي خلقها اللهُ وسلَّطها عليها لتستقيم بها أمورُ كائناتها؟ يجيبنا على هذا السؤال الدينُ الإلهي وذلك في الوقت الذي يعجز العلم الوضعي عن أن يأتينا بجوابٍ يشفي الغليل. لنتدبر الآيتين الكريمتين التاليتين: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون) (61 النحل)، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) (45 فاطر).
