
ما كان اللهُ ليذرَ الإنسانَ يُفسد في الأرض دون أن يقتصَّ منه فيُعجِّل بالقضاء عليه فيُخلِّص الأرض من وبيل شرِّه لولا أنه تعالى كان قد سمّى يوم القيامة أجلاً ينتهي بمجيئه إمهالُه ويحينُ بقدومه أوانُ عقابه الأبدي. وهذا التأجيل والإمهال هو ما بإمكاننا أن نتبيَّه بتدبُّر الآيتين الكريمتين: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون) (61 النحل)، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) (45 فاطر).
ولكن لماذا ذكر اللهُ تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أنه كان ليقضي على كل دابةٍ في الأرض لو أنه عجَّل بعذاب الإنسان؟ إن الإجابة على هذا السؤال يتكفَّل بها تدبُّرُنا فيما كان سيؤدي إليه اختفاءُ حيوان الأرض من على وجهها. فهذا الاختفاء الجماعي للحيوانات كان سينجم عنه بالضرورة انقراضُ بني آدم كلِّهم جميعاً، وذلك كما هو بمقدور العلماء أن يجيئوا بما يبرهن عليه من أدلةٍ وبراهين. فالله تعالى بمقدوره أن يعطِّل من أسباب بقاء الحيوان على وجه الأرض ما هو كفيلٌ بجعله ينقرض ويفنى عن بكرة أبيه انقراضاً لابد وأن ينتهي بالإنسان إلى تلاشٍ وفناءٍ وزوال.
