
لله تعالى تواجدٌ في هذا الوجود يتكفَّل ببقاء سمواته وأرضينه فلا يزولان حتى يأذن اللهُ بزوالهما بمجيء يوم القيامة. وهذا التواجد الإلهي في عموم سموات وأرضين الوجود هو الذي يُمسِك بهما حتى لا يزولا: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (من 65 الحج)، (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (41 فاطر).
وإمساكُ الله تعالى بالسموات والأرض متحققٌ بأسبابٍ خلقَها فسلَّطها عليهما فلا قدرةَ لهما بالتالي على أن يخالفا عن أمرها على الإطلاق. وهذا هو السبب من وراء استقرار السموات والأرض بتواجدٍ إلهي لطيفٍ خفي فيهما وبتسلُّطٍ لقوانين الله تعالى عليهما. فاللهُ تعالى يحفظ سموات الوجودِ وأرضينه ويديم عليهما بقاءهما المأجول بأجل يوم القيامة بهذه الأسباب التي احتجب من ورائها متلطفاً فلا يُشعِر به أحداً من خلقه أبداً، وهو الفاعلُ الحقيقي من وراء حجاب هذه الأسباب.
وهذا التدخل الإلهي غير المباشر في وقائع وأحداث وظواهر الوجود لا يعني على الإطلاق ألا يكونَ بمقدورِ اللهِ تعالى أن يخرقَ الحجابَ الذي خلقَه فتلطَّف به عن خلْقِه. فاللهُ قادرٌ أنى يشاء على أن يخرق حجاب الأسبابِ هذا فيتجلَّى بتدخُّلٍ إلهي مباشر يعطِّلُ الأسباب ويسلِّطُ عليها ما يحولُ دون أن تفعلَ فعلَها الذي قدَّره لها فتفسح المجال بالتالي لتجلياتٍ من لدنه تعالى بقولِهِ “كن فيكون”. ومن ذلك ما جاءتنا به سورة الجن (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا). فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يتدخَّل تدخلاً مباشراً فيُغدق من لدنه ماءً غدقاً على مَن استقامَ على الطريقة وذلك بلزومِه الاستغفار الذي جاءتنا سورةُ نوح وسورةُ هود بما يُفيد أن له هذه القدرة على أن يجيئنا إن نحنُ واظبنا عليه بما يخرق من أسبابِ عالمِ الحجاب ما يحول دون أن تمطرَنا السماءُ مطراً مدراراً (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) (10 -11 نوح)، (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) (من 52 هود).
