
لله تعالى وجودٌ ضاربٌ في الأزل ممتدٌ إلى أبد الآبدين. وهذا الوجود إلهي محضٌ فلا تواجدَ لمخلوقٍ في حضرته الإلهية المقدسة. وهذا الوجود الإلهي محيطٌ بكونٍ خلقه اللهُ تعالى سمواتٍ وأرضين. والوجودُ المخلوقُ هذا ما كان له أن ينبثق إلى الوجود لولا أن اللهَ تعالى خلقَه خلْقاً من بعد خلقٍ في أيامٍ ست. وهذا الوجود المخلوق ما كان له أن تقوم قائمة لولا أن اللهَ تعالى، الموجودَ خارجَه، متواجدٌ داخله تواجداً يُديم بقاءه حتى يأذن اللهُ بزواله يوم يزولُ كلُّ مخلوقٍ ويبقى وجهُ الخالق وحده. فتواجد الله تعالى في هذا الوجود المخلوق هو الذي يُمسك سمواته وأرضينه ويحول بالتالي دون زوالهما وتلاشيهما وفنائهما. فاللهُ نورُ هذا الوجود المخلوق الذي يتكفَّل تواجدُه الإلهي فيه ببقائه وديمومته حتى يحين موعد فنائه بحلول يوم القيامة.
ولكن حظَّ الوجود المخلوق من الله خالقِه لا يقتصر على تواجد الله تعالى في عموم ربوعه، تواجداً يتجلى بتدخُّله الإلهي غير المباشر تدخلاً تتكفل به أسبابٌ خلقَها اللهُ تعالى وسلَّطها عليه وسيَّر بها أمورَه ونظَّم بها شؤونَه من أصغرها إلى أعظمها جرماً، ولكنه يتعداه إلى ما للهِ تعالى من تجلٍّ إلهي يتكفَّل به تدخُّلُه المباشر في سيرِ أحداث هذا الوجود المخلوق وبما يؤمِّن حدوث ما لا قدرةَ لهذه الأسباب على التسبُّب به من معجزاتٍ وكراماتٍ وخوارقَ عاداتٍ لا تعليل لها إلا بهذا التجلِّي الإلهي.
