اللهُ المتجلِّي

تتماسكُ السمواتُ والأرضُ لا بتلك القوى التي يتوهمها العلمُ الوضعي فيظن أنها المتسببةُ في بقائهما وعدم زوالهما، ولكن بتدخلٍ إلهي غير مباشر إمساكاً لهما يُبقي عليهما حتى يأذن الله فيجيء يوم القيامة فتزولان. ولله تدخلاتٌ مباشرة هي تجلياتٌ إلهية تبرهن لمتدبِّرها على أنه تعالى موجودٌ بحق. فاللهُ المتجلي بتدخُّله المباشر في سير أحداث هذا الوجود، يضطر العقلَ المتدبّر في الوقائع والأحداث والظواهر الناجمة عن هذا التجلِّي إلى وجوب الإقرار بأنه إلهٌ حيٌّ فاعل ظاهرٌ كما أنه الإله الباطن المتستِّر بحجاب أسبابه التي خلقها وتوارى من ورائها علةً ما كان لهذه الأسباب أن تفعل فعلها لولا مدده اللطيف الخفي.

ولقد قنَّن اللهُ تدخُّله المباشر هذا في سير أحداث الوجود فجعله مشروطاً بشرائط إن هي تم استيفاؤها كان حقيقاً عليه تعالى أن يتجلَّى بكثافةٍ تتحكَّم فيها إرادةٌ إلهية هي إرادةُ الله الحكيم العليم الخبير. ومن بين تجلِّيات هذا التدخل الإلهي المباشر تتصدَّر المعجزات والكرامات قائمةً تطولُ فلا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يُحيط بما تشتمل عليه. فلله تعالى تجلياتٌ لا تُحصى، كيف لا وهو الله المتجلِّي بإرادة “كن فيكون”؟ ولقد جاءنا القرآنُ العظيم بما يؤكِّد استحالةَ إحصاء تجلِّيات الله تعالى، وذلك في آيتين كريمتين هما: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27 لقمان) و(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (109 الكهف).

فسبحان الله المتجلِّي بكلماتِه التي إن تدبَّرها العقلُ انتهى به تدبُّرُه إلى وجوبِ التسليم وتمام الإيقان بأنه هو الله الحيُّ الموجودُ بحق.

أضف تعليق