
لقد بالغنا في التعليل لما فُرض علينا من عبادات وذلك حتى يتحقق لنا ما يُعين على تقبُّلها وبما لا يتصادم مع ما تقضي به النفس ويحكم به الهوى! وبذلك فاتنا خيرٌ كثيرٌ كنا لنحظى به وزيادة لو أننا استعنَّا على فقه دين الله تعالى بقلوبٍ تلزم الحق ولا تحيد عن جادَّته القويمة، وذلك بأن لا نجيء بتأويلاتٍ نظن ونتوهم أنها ستجعل من هذا الذي جاءنا به الدين الإلهي مقبولاً ومستساغاً من جانب نفوسنا!
فالصيام، وفقاً لما نظن ونتوهم، ما فرضهُ الله تعالى علينا إلا لنستشعر ما يكابده الفقراء من جوع! وفاتنا بذلك أن نستذكر أن الله تعالى حدَّد الغاية من الصيام بأنها لا أكثر من أن يجعلنا الصيام نتقن التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (183 البقرة). فيكفي الصيامَ قدرةً على زرع التقوى في القلوب أنه يجابه النفسَ بهذا الذي يجعلُ منا نضطرها إلى ما تكره من صبرٍ على الجوع والعطش! فالصيام التزامٌ منا بتنفيذ ما أمر اللهُ تعالى دون أن يقتضي هذا الالتزامُ وجوبَ أن نعيَ العلةَ من وراء فرضِه علينا. فيكفينا أننا ننفذ ما أمرنا اللهُ تعالى به وكلُّنا يقينٌ بأن هذا هو ما نحنُ بحاجةٍ إليه حتى نزدادَ قوةً تُعيننا على نفوسنا التي لن يكون باليسير عليها أن نمنعها ما تظن أنه حقها ومستحقها من طعامٍ وشرابٍ وراحة!
ولذلك كان الالتزام بصيام شهر رمضان يقتضي منا وجوب ألا نسارع إلى انتحال الأعذار حتى نتحرر مما يُلزمنا به شهرُ رمضان من ضوابط تطالُ طعامَنا وشرابنا. فاللهُ تعالى بيَّنها واضحةً في قرآنه العظيم: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (من 184 البقرة).
كما أننا نخطئ إذ نقصر الفائدة المتحققة من الصيام على ما يعود به علينا إحجامُنا عن تناول الطعام والشراب ساعات النهار الطوال! فالصيام فيه أسرارٌ وبركةٌ تتجاوز ما يعود علينا به هذا الامتناع منا عن تناول الطعام والشراب فيتعداه إلى ما لا قدرةَ لنا على الإحاطة به من كثيرِ خيرٍ اللهُ به أعلم.
إذاً فصيامُ شهر رمضان يشتملُ على أسرار روحية لم يكشف اللهُ تعالى لنا منها إلا ما صرَّحت به الآية الكريمة التي نبَّأنا اللهُ تعالى فيها بأننا بصيامنا سنزداد تقوى. ويكفينا أن نستذكر أن اللهَ تعالى امتدح التقوى فوصفها خيرُ الزاد (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (من 197 البقرة)، وبأنها الكلمة التي ألزمها عبادَه المؤمنين (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) (من 26 الفتح).
