
تترتَّب على قراءة القرآن العظيم دون تدبُّرٍ نتائج وخيمة تنتهي بالقارئ إلى الوقوع في محظور التأويل المنافي للمعنى الذي كان بمقدوره أن يحيط به لو أنه تدبَّر آياتِه الكريمة. ومن ذلك ما وقر في أذهاننا من تأويلٍ مخطوء للآية الكريمة (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (من 46 الكهف). فوفقاً لهذا التأويل غير الموفَّق يكون المال والبنون زينةً ينبغي الحرص على الاستزادة منها! وبهذا التأويل غير الصائب يكون قد فاتنا المعنى الذي تشتمل عليه هذه الآية الكريمة والذي هو لا علاقة له على الإطلاق بما نظن ونتوهم. فاللهُ تعالى خلق الحياةَ الدنيا وزيَّنها بالمال والبنين وغير ذلك لا لنتزيَّن بها، ولكن فتنةً لنا وابتلاءً واختباراً (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (7 الكهف).
ولذلك حرص القرآن العظيم على تذكير المؤمنين بحقيقة هذه الزينة بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (9 المنافقون). فالله يختبر الإنسان فيغدق عليه من ماله ويؤتيه البنين وذلك ليبتليه فينظر كيف سينفق هذا المال وهل سينشغل ببَنيه عن ذكره تعالى. فالحياة الدنيا ما زيَّنها اللهُ تعالى حتى يكون لنا أن نتزيَّن بزينتها هذه! فاللهُ خلق الإنسان وابتلاه بالحياة الدنيا وزينتها حتى يمحِّص إيمانه فيتبيَّن من انشغل بدنياه عن الله ممن لم يشغله شيء عنه تعالى (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (من 28 الكهف)، (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) (20 الحديد).
إذاً جعل اللهُ المالَ والبنين زينةَ الحياة الدنيا وذلك لينظر أينا أحسن عملاً فلم يُشغله ماله ولا بنوه عن الإخلاص لله الذي ما خلق الإنسان إلا لعبادته. فما ينفع الإنسان حقاً هو أعمالُه الصالحات التي ستبقى من بعد زوال المال وفناء البنين (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (46 الكهف).
