
بيَّنتُ في منشورٍ سابق بطلان حجة مَن يتذرَّعون بالآية الكريمة (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (من 46 الكهف) ليُجوِّزوا لانشغالهم عن الله بالمال والولد! ولقد حذَّرنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من مغبَّة انجرارنا، تحت هذه الذريعة المتوهَّمة، وراء ما زُيِّنَ لنا من حبِّ شهوات المال والبنين (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (14 آل عمران). كما وحذَّرنا قرآنُ الله العظيم من أن يفتِننا مالُنا وبنونا فنزِل عن طريق الحق بانشغالنا بهما عن الله تعالى مُذكِّراً إيانا بأن للشيطان فيهما حصةً إن نحن تركناه يُزيِّن لنا هذا الانشغال منا بهما عن الله (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) (64 الإسراء).
وهذا ما أكَّده القرآنُ العظيم في مواطن منه كثيرة حذَّرنا اللهُ فيها حتى لا ننسى أنه تعالى ما آتانا المالَ والولد لننشغل عنه بهما: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (15 التغابن)، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) (10 آل عمران)، (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون) (69 التوبة).
فالله تعالى بيَّن لنا في قرآنه العظيم السبيلَ إليه وكيف أنه يقوم على إيمانٍ به وعملٍ صالح، وأن الافتتان بالمال والبنين سوف يبتعدُ بنا عن هذا السبيل (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) (من 37 سبأ). فالحياة الدنيا ما خلقها اللهُ تعالى إلا لنُبتلى بها فيكون لمالها وبنيها، ما إن نحن لم ننظر إليهما فنراهما على حقيقتهما، القدرةُ على جعلنا ننسى أن اللهَ تعالى ما خلقنا لننشغل بهما عن عبادته (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) (20 الحديد)، (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (17 المجادلة).
إذاً فما سينفعنا يوم القيامة هو هذا الذي كنا عليه في حياتنا الدنيا من قيامٍ لله بما يُرضيه عنا حتى وإن استدعى ذلك وجوبَ أن ننظر إلى المال والولد فلا نراهما إلا على حقيقتهما: فتنةً وابتلاءً واختبارً وامتحاناً (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (3 الممتحنة)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون) (9 المنافقون).
