
خلقَ اللهُ آدمَ ليسعد في الجنة، فكان ما كان واضطر الإنسان إلى العودة إلى هذه الأرض ليعيش فيها شقياً. فالإنسان لا سعادةَ له حقيقيةً إلا بأن يحيى في البيئة التي خُلِق ليعيش فيها. ولذلك تخفق كلُّ محاولات الإنسان للتغلب على شقائه طالما لم يُدرك العلةَ من وراء هذا الشقاء. ولقد جاءنا دينُ الله تعالى بما يُعينُنا على تبيُّن علةِ شقائنا مبيِّناً في الوقت ذاته السبيلَ القويم للخروج من هذا الشقاء الذي سيبقى ملازماً لنا في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة إن نحن لم نلتزم بهذا السبيل. فإذا كان الإنسانُ قد خُلق ليسعد في الجنة فأخرجته أكلته من شجرتها التي نُهي عنها، فإن هذا الشقاء ليس قدراً لا مفرَّ له منه. فالإنسان قادرٌ على أن يُكتَب له قدرٌ جديد على هذه الأرض يؤهِّله ليعيشَ فيها حياةً طيبة، ولينتهيَ به الأمرُ من بعدُ ليعيش أبد الآبدين في جنة الخُلد إن هو لم يحد عن الصراط المستقيم الذي جاءه به دينُ الله تعالى.
على أنه لابد وأن لا يغيب عن بالنا أبداً أن هذه الحياة الطيبة لا يتأتى للإنسان أن يحظى بها دون أن يكابد من الشقاء والعناء ما يذكِّره على الدوام بالثمن الذي توجَّب عليه أن يدفعه جراء خروجه من الجنة. فالحياة الطيبة تقتضي من الإنسان أن يعبد اللهَ تعالى مخلصاً له الدين. والعبادات تشتمل على مشاق جمة قياماً بها بما يُرضي الله واصطباراً عليها وحملاً للنفس على ما تكره.
وهكذا يتبين لنا أن الشقاء مكتوبٌ على الإنسان إذ لا مفر له من أن يكابده ويعانيه من بعد خروجه من الجنة التي خُلق ليسعد فيها. فحتى العبادات، التي لا سبيل للإنسان لأن يحظى بحياة طيبةٍ في هذه الأرض إلا بلزومها، تشتمل على مشاق لابد منها. فكل مشقة مشتقة من الشقاء المكتوب على الإنسان أن يكابده ويعانيه جراء خروجه من الجنة.
