
من الإجحاف الحكمُ على كل ما عند الآخر من فكرٍ وعلمٍ ومعارف بأنها لا تستحق أن يُنظَر فيها ليُصار إلى استخلاص ما هو جديرٌ بأن يرفد المشروع المعرفي للأمة! فما انتهى إلينا من تراثٍ، وما هو بمقدورنا أن نُضيفَه إلى هذا التراث، لا ينبغي أن يصل بنا الاعتدادُ بالنفس إلى حد الجزم بأننا لا نحتاجُ معه إلى ما عند الآخر من فكرٍ وعلمٍ ومعارف! وإذا كان ليس كل ما بين أيدينا من تراث فكري يصح أن نقول بشأنه إنه صحيح، فكذلك ليس كل ما عند الآخرين غير صحيح. ونحن إن أردنا أن يكون لنا مشروعٌ معرفيٌّ متمايزٌ عن الغير، فإن السبيل إلى إنجاز هذا المشروع يقتضي منا أن نستخلص من تراثنا صحيحَه وأن نأخذ عن الآخرين صحيحَهم. وبذلك تكون لمشروعنا المعرفي الريادةُ بهذا الذي سيقومُ عليه من تكاملٍ بين صحيحِ ما عندنا وصحيحِ ما عند الآخرين.
فـ “تكامل الصحيحين” هو سبيلُنا إلى نهضةٍ معرفيةٍ معاصرة لا يخالجها غرورٌ بما عندنا ولا يشوبها ما يجعل منها تُعرض عن أخذ صحيح ما عند الآخرين. فالأمرُ لا علاقة له بمن سبق إلى الحقيقة قدرما هو ذو صلةٍ بمن هو راغبٌ حقاً في العمل على ضوء هذه الحقيقة. ولقد قالها سيدُنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من قبلُ: “الحكمةُ ضالةُ المؤمن أينما وجدَها فهيَ له”.
