
انتهيت في المنشور السابق إلى أن الشقاء قدَرٌ كُتِب على الإنسان أن يكابده ويعاني منه من بعدما اضطرَّته تلك الأكلة المحرَّمة من شجرة الجنة إلى مغادرتها والعودة من جديد إلى هذه الأرض التي توجَّب عليه أن يحيا فيها وأن يرزح تحت نير هذا الشقاء. فالإنسان خُلق لتلك الجنة التي أُخرج منها وعادَ إلى الأرض ليشقى فيها مادام حياً. ولقد تعهَّد اللهُ الإنسانَ برحمتِه فأرسل رُسُلَه الكرام بدينه الإلهي لينتشل الإنسانَ من وهدة هذا الشقاء وليتسنى له بالتالي أن ينعم بحياةٍ طيبة في دنياه وبالحياة الأبدية في أخراه إن هو سارَ على طريق الله تعالى منضبطاً بضوابطه المحدِّدة لما ينبغي أن يكون عليه حالُه مع الله عبادةً له تعالى خالصةً من كلِّ شائبةٍ ومن إي إشراك.
إلا أن هذا لا يعني على الإطلاق أن الإنسان سيغادره “شقاؤه القدَري” بسيرِه على طريق الله تعالى! فالشقاء قدَر الإنسان الذي توجَّب عليه أن يكابدَه ويعاني من جرائه بسببٍ من خروجه من الجنة. غير أن هذا الشقاء الذي يلاحقُ الإنسانَ كظلِّه أينما حلَّ وارتحل بالإمكان أن “يُلطَّف” و”يُخمَّد” بملازمة الإنسان لعبادة الله وذلك بسيره على طريقه تعالى ملتزماً بضوابطه ومحدِّداته الإلهية. عندها سيتلاشى هذا الشقاء ويحل محله شقاءٌ من نوعٍ آخر هو ذاك الذي لا قيام للعبادة الحقة إلا به. وهذا فرارٌ من قدَرٍ إلهي إلى قدَرٍ إلهي آخر يُبقي على الشقاء إسماً ويُحرِّر الإنسانَ العابدَ من إصره وأغلاله بهذه المشقة التي سيتوجب عليه أن يكابدها بعبادته لله تعالى.
فالحياة الطيبة مكفولة للإنسان العابد وهي تكفل له أن يتحرَّر من “شقائه الآدمي” وإن كانت تقتضي منه من المشاق ما يُذكِّر بقدَره الإنساني هذا والذي لا مفر له منه طالما كان هو إنساناً أُخرج من الجنة ليشقى!
