
تشتمل المقاربة التقليدية لكثيرٍ من آيات القرآن العظيم على أخطاء جسيمة تنأى بمن يقول بها عن التدبُّر القرآني الذي هو وحده مَن يكفل لقارئ القرآن أن ينتهي به تدبُّره هذا إلى الاستيقان من أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عند غير الله. ومن ذلك المقاربة التقليدية للآية الكريمة 30 البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فإذا كان اللهُ تعالى وفقاً لهذه المقاربة التقليدية قد خلق الإنسانَ وجعله خليفته في الأرض ليقيم فيها العدل، فإن واقع الحال يُنبئ بخلاف ذلك! فالإنسان أكثر مخلوقات الله تعالى إفساداً في الأرض وظلماً. فكيف يستقيم إذاً أن يكون مَن خلقه اللهُ تعالى وجعله خليفته في الأرض ليُشيع فيها العدلَ والقسطَ قادراً على اقتراف كل ما يتنافى مع ما يقتضيه كونه خليفةً بهذا المعنى الذي تُصر عليه المقاربة التقليدية هذه؟!
إن إصرار المقاربة التقليدية لهذه الآية الكريمة على أن الإنسانَ ما خلقهُ اللهُ إلا ليُشيع في الأرض العدلَ والقسط سوف ينتهي بمن يقول بها إلى وجوب أن يجابه مَن سيرى فيها ما يتناقض مع إلهية القرآن العظيم. فالإنسان لا يمكن على الإطلاق أن يُنظَر إليه على ضوءٍ من هذه المقاربة غير الموفَّقة فيُرى على غير حقيقته التي يُجلِّيها واقعُ حاله المنافي لكل ما تقتضيه إقامةُ العدل وإشاعتُه في الأرض! ولذلك فإن الإصرارَ على أن هذا هو تفسير هذه الآية الكريمة سيجعل منا عاجزين عن الرد على مَن سيجدُ في هذا التفسير ما يتناقض مع ما نعرفه عن الإنسان بشهادةٍ من واقعه وتأريخه.
ولابد لنا والحالُ هذه من أن نجيء بتفسيرٍ لهذه الآية الكريمة لا يتناقض مع حقيقة الإنسان كما نعرفه. وما من سبيلٍ إلى ذلك إلا بأن نقرأ هذه الآية الكريمة بتدبُّرٍ يقودنا إليه تبيُّنها على ضوءٍ من كلِّ ما ورد في القرآن العظيم من آياتٍ كريمة ذات صلةٍ بما تشتمل عليه وتنطوي كلمة “خليفة” من معانٍ فصَّلتها وبيَّنتها هذه الآيات. عندها، وعندها فقط، سيتبيَّن لنا أن هذه المقاربة المتدبِّرة لهذه الآية الكريمة ليس فيها ما يجعل منها تتناقض وتتعارض مع حقيقة الإنسان كما نعرفه، بل وعلى العكس من ذلك، سيتبيَّن لنا حينها أن هذه الآية الكريمة، وبالمعنى الذي وقعنا عليه بتدبُّرها، تؤكد أن ما جاءنا به القرآنُ العظيم لا يمكن على الإطلاق أن يتناقض ويتعارض مع حقيقة الإنسان كما نعرفها.
وبذلك يكون لهذا المعنى الذي وقعنا عليه بتدبُّرنا للآية الكريمة 30 من سورة البقرة ما يُعين على تقديم البرهان على إلهية القرآن العظيم.
