
يظن الإنسان أن اللهَ تعالى ما خلقه إلا عبثاً، وأنه لذلك معذورٌ إذا ما هو عاش حياتَه الدنيا لهواً ولعباً وتفاخراً وتكاثراً في الأموال والأولاد! (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (115 المؤمنون). فالإنسان يلهو ويعبث ويأكل كما تأكل الأنعام وهو لا يدري أن النارَ مثوى له (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (من 12 محمد).
والإنسان هذا هو ديدنه على مر العصور وتعاقب الدهور مهما اختلف لونُه وتباين عرقُه وتمايزت ثقافته! فكلنا، إلا من رحم اللهُ، هم مَن خاطبهم سيدنا هود عليه السلام: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) (128 الشعراء). والإنسان بعدُ مهووسٌ بهذه الحياة الدنيا وبما “يُخلِّده” فيها، ظناً منه وتوهماً بأن ليس هناك إلا هذه الحياة وألا بعثَ هناك ولا نشوراً! فترى الإنسانَ مشغولاً على الدوام بكل ما يوثِّق صلتَه بهذه الحياةِ الدنيا حتى من بعد أن يموت (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (129 الشعراء).
وهكذا يعيشُ الإنسانُ حياتَه الدنيا حتى ينقضي أجلُه الذي سمَّاهُ اللهُ من قبلُ فيموت وهو موقنٌ بأن ليس هناك من بعثٍ ولا نشور، وأنه إن رُدَّ إلى الله فإن له الحسنى، ولسان حاله يقول: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) (من 50 فصلت).
وبذلك تنقضي سويعاتُ عُمُر الإنسان لهواً وعبثاً فيموت ثم يحفظه اللهُ في كتابٍ حفيظٍ روحاً لا بدناً (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (4 ق). فالإنسانُ سيمكثُ في كتاب الله هذا حتى يأذنَ اللهُ فيُبعَث ليُحاسَب فإما جنةٌ أبداً وإما نارٌ أبداً (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (56 الروم). فكتابُ الله الذي سيمكثُ فيه الإنسانُ روحاً لا بدناً حقيقةٌ من حقائق هذا الوجود ما كنا لنحيط بها علماً لولا أن اللهَ تعالى نبَّأنا بها في قرآنه العظيم (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَاب) (37 الأعراف).
ومن بعد انقضاء المدة التي حكم بها اللهُ تعالى على الإنسان أن يقضيها في كتابه الحفيظ سوف يجيء يوم البعث فيُبعَث الإنسانُ ليحاسبه اللهُ على ما فرَّط من أمره في حياته الدنيا. فيوم البعث قادمٌ لا ريب فيه والساعةُ آتيةٌ لا ريب فيها وإن كانت نفسُ الإنسان تقول له خلاف ذلك (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى. فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) (15 -16 طه).
وحينها سيُخلَّد في النار مَن استحبَّ الحياةَ الدنيا على الآخرة وفرح بها وظن أنَّه لن يُحشَر إلى الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (7 -8 يونس)، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين) (107 النحل).
وسيكون لزاماً على الله تعالى يومها أن يُخلِّد في ناره الأبدية كلَّ مَن عاش حياتَه الدنيا لهواً وعبثاً ولم يدُر بخلده وهلةً أنه، ومن بعد موته، سيلبث في كتاب الله الحفيظ حتى إذا جاء يومُ البعث بعثه اللهُ ليمكث في جهنم أحقاباً لا تُحصى (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا. لِلطَّاغِينَ مَآبًا. لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) (21 -23 النبأ).
