وما فعلَ رسول الله ما فعلَ عن أمره صلى الله تعالى عليه وسلم

يريدنا الذين يصرُّون على تسييس دين الله تعالى أن نصدِّق أنهم على شيءٍ إذ يظنون أن هذا التسييس ما هو إلا قيامٌ منهم لما يجعلهم لا ينسون نصيبَهم من الدنيا، وذلك بمقاربةٍ غير متدبِّرة من جانبهم لما جاءتنا به سورة القصص (وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا). وهذا تأويلٌ متعسِّفٌ مبتسَر! فنصيبُ ابنِ آدمَ من دنياه لا ينبغي أن يكون بتسييسه دينَ الله! فالسياسة دنيا لا حظ لدين الله تعالى منها. ويخطئ كل مَن يظن ويتوهم أن بإمكانه أن يوفِّق بين دين الله والسياسة، وبما يجعل من هذا التوفيق بينهما منهجاً له يفوز بوساطةٍ منه بدنياه وأخراه! فالدين قائمٌ على أساسٍ من اتِّباع هَدي الله، والسياسة قائمةٌ على أساسٍ من تغليب المصالح العاجلة، وهذا أمرٌ لا يتفق مع ما يقتضيه الدين من تغليبٍ للآخرة على الأولى وللآجل على العاجل.

ولقد بالغ مُسيِّسو الدين الإلهي في مقاربتهم غير الموفقة هذه لدين الله تعالى، وإلى الحد الذي جعلهم يتجاسرون على سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بقولهم فيه ما لم يقله قرآنُ الله العظيم! فكان أن أشاعوا فينا آراءهم الضالة والتي خُيِّل إليهم معها أن بمقدورهم أن يقدِّموا لنا تصوراً لشخصية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكون بمقتضاه سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم رجل دينٍ ورجل سياسة في آن! وشرعوا بتعزيز تصوُّرهم المخطوء هذا، وذلك بإعادةِ قراءةٍ للسيرة النبوية الشريفة وبما يجعل من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سياسياً بارعاً يعتمد العقل وما يقضي به إضافةً إلى ما يأمره به الوحي! ولقد فات هؤلاء أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد قال: “أدَّبني ربِّي فأحسنَ تأديبي”. ومن بين مفردات هذا التأديب الإلهي لسيدنا رسول الله أن اللهَ تعهَّده صلى الله تعالى عليه وسلم بالمتابعة الحثيثة فلم يدع له ما يجعله يقول قولاً أو يفعل فعلاً إلا وانبرى له بالتصويب والتقويم والتصحيح حتى تجيء أقوالُه وأفعالُه وأحوالُه كلُّها جميعاً متوافقةً تمام التوافق مع ما يقتضيه كونه الرسول النبي الأمي الذي يتوجب على كل بني آدم أن يتَّبعوه إذا ما هم أرادوا أن يعيشوا دنياهم حياةً طيبةً، وأخراهم خالدين في الجنة أبداً.

ولقد فات هؤلاء المُسيِّسين البائسين أيضاً أن رسول الله ما كان له أن يفعل شيئاً عن أمره انصياعاً لما تأمر به نفسُه، وهو من هو صلى الله تعالى عليه وسلم! فكيف يستقيم عند هؤلاء الجُهَّال بدين الله تعالى أن يقول سيدنا الخضر عليه السلام في معرض تبيانه لما أقدم عليه من أفعالٍ استعظمها عليه سيدنا موسى عليه السلام: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، ولا يستقيم عندهم أن يكون ما فعله رسول الله ليس عن أمره صلى الله تعالى عليه وسلم؟!

أضف تعليق