
تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن “الخلْق المُسبَّب” بأسباب هذا العالم، وعن “الخلْق المُعلَّل” بِعلَّة نفخة “كن فيكون”. فاللهُ تعالى قادرٌ على أن يُمضي إرادتَه ويُنفِذ مشيئتَه فيخلق ما يشاء وذلك إما بتدخلٍ منه غير مباشر بوساطةٍ من أسبابٍ خلقها وجعلها تخلق بإذنه ما يشاء، أو بتدخلٍ إلهي مباشر بوساطةٍ من نفخة “كن فيكون”. ولعل خلق السموات والأرض هو المثال الأبرز على “الخلق المُسبَّب” والذي يتمايز عن “الخلق المُعلَّل” بأنه استغرق زماناً مدته هنا ستة أيام، وذلك بالمقارنة مع “الخَلق المُعلَّل” والذي لا يقتضي غير ما تستغرقه إغماضةُ عينٍ وانتباهتُها، فهو خلقٌ لَحَظي يتم بلمحٍ بالبصر.
ولعل خيرَ مثالٍ على “الخلق اللحظي” هو خلق الله تعالى الناقةَ التي أرسلها آيةً مفصَّلةً إلى قوم سيدنا صالح عليه السلام، والتي سمَّاها القرآن العظيم بـ “ناقة الله” وذلك في إشارةٍ منه إلى إلهية نشأتها بتخلُّقها تخلُّقاً آنياً بالمقارنة مع الناقة التي نعرفها والتي استغرق تخلُّقها ملايين السنين (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (73 الأعراف).
ولا يمكن أن ننسى في سياق الحديث عن “الخلق اللحَظي” و”التخلُّق الآني” التدخلَ الإلهي المباشر، والذي أدى إلى ظهور سيدنا آدم وسيدنا عيسى عليهما السلام (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (59 آل عمران).
