
يصر الإنسان على أن يقارب دين الله تعالى بعقله مقاربةً لم ينجم عنها إلا كل ما جعله يخفق في الوقوع على ما يريده منه هذا الدين. ولو أن الإنسانَ اكتفى بأن يُعمِل عقلَه في دين الله تعالى تدبُّراً لما ينطوي عليه من إعجازٍ إلهي، وإقامةً لما يشتملُ عليه من ضوابط تعبُّدية، لما كان حال كثيرٍ من المتديِّنين ما نراه اليوم! ولكن الإنسان عاجزٌ عن إقصاء عقلِه عن القيام بعقلنة دين الله تعالى وذلك لأنه لم يفلح في تبيُّن ما يريده منه هذا الدين، والذي هو لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بهذه العقلنة التي ذهبت بكل ما احتواه من تمايزٍ وتسامٍ وتعالٍ عن كل ما هو بشري، فكان أن انتهى به الأمر إلى الوقوع على “دينٍ وضعي” ما أنزلَ اللهُ به من سلطان طالما كان هذا الدين هو نتاج عقله هو!
ومن بين الأمثلة على “عقلنة” الدين هذه ما طفقنا نسمع له هنا وهناك من أن هنالك تمايزاً لابد أن نفترض قيامه بين هذه العبارة القرآنية وتلك، وبما يُحتِّم وجوب ألا تكون هاتان العبارتان بذات المعنى! فمن نحن لنحكم بهذا “الوجوب”؟ ولماذا ينبغي أن يجيء معنى هذه الآية الكريمة أو تلك متوافقاً مع ما تقضي به مقاربتُنا النحوية لهما؟! لنتدبر الآيتين الكريمتين التاليتين: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (100 التوبة)، (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) (198 آل عمران).
يتبين لنا بتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين أن ليس هناك ما يقتضي وجوب أن يكون هنالك أي اختلافٍ على الإطلاق بين العبارة القرآنية الكريمة “جنات تجري من تحتها الأنهار” و”جنات تجري تحتها الأنهار”. فلماذا إذاً الإصرار على أن هاتين العبارتين الجليلتين لابد وأن تكونا متمايزتين في المعنى تمايزهما في المبنى؟!
لقد آن الأوان لننأى بدين الله تعالى عن كل محاولةٍ لعقلنته، وبما يجعل منه “مقبولاً” و”معقولاً” لدينا! فدين الله تعالى متعالٍ عن عقولنا التي ينبغي عليها أن تتأدب في حضرته فلا تتجاسر عليه بعقلنةٍ إن نحن واظبنا عليها كان في ذلك هلاكنا دنيا وآخرة.
