دينُ الله وعقلُ الإنسان

انتهيتُ في المنشور السابق إلى تبيان السبيل إلى الالتزام بما جاءنا به دينُ الله تعالى الذي ليس هناك من إقامةٍ له كما أمر الله إلا بتأديب العقل حتى لا يتجاسر على هذا الدين تجاسراً يوقعه في محظوره قيامُه بعقلنة مفرداته الإلهية وبما يجعل منها “مقبولةً” و”معقولةً” لديه. فعقل ابن آدم مُبتلى بهذا الذي يجعلُ منه راغباً في إعادة صياغة كل ما يتعارض مع بديهياته ومُسلَّماته، وبالشكل الذي يجعل منه متوافقاً مع هذه البديهيات والمُسلَّمات. فإذا كان دين الله تعالى لا قيام له إلا على أساسٍ من كلِّ ما يتعارض مع ما يقتضيه العقلُ من “قوانين عقلية” اهتدى إليها وهو يجتهد في تكوين تصوراته عن العالم والواقع، فإن هذا العقل يجد نفسَه مضطراً والحالُ هذه إلى قيامه بعقلنةٍ لدين الله تعالى تجعل “اللامعقول الديني” معقولاً، وذلك عبر سلسلة من “التقنيات العقلية” التي تُمكِّنه من تقديم “تصوراتٍ معقولة” لهذا اللامعقول.

وهكذا ينتهي الأمر بعقل الإنسان إلى وضع دينٍ مغايرٍ لدين الله تعالى من بعدِ قيامه بالالتفاف على المرتكزات الإساسية للدين الإلهي، وبما يجعل من دينه الوضعي هذا لا يشتمل على ما جاء به دينُ الله تعالى من تسبيبٍ للعبادة وتعليلٍ لها موصولَين بما للآخرة من حضورٍ لابد من فرضه على العقل بالقوة قبل حلول يوم القيامة. فدين الله تعالى لا قيامَ له إلا على أساسٍ من تقوى الله ومخافة نار جهنم التي أعدَّها اللهُ لكل مَن انشغل بدُنياه عن فعل ما يلزم ليُزحزَح عنها. وتخفق كلُّ محاولةٍ من جانب عقل الإنسان لإزاحة الآخرة وجهنمها عن موقعها داخلاً من كيان دين الله تعالى، وذلك عبر تقديم تصورٍ للدين الإلهي يُشدِّد على جانبه الأخلاقي عوض هذا الانشغال بالآخرة عن هذه الحياة الدنيا.

كما ويتجلى إصرار العقل على تقديم تصورٍ لدين الله تعالى لا يتناقض مع بديهياته ومسلَّماته العقلية في هذا الذي يقوم به من إقصاءٍ للمعجزات عبر تقديمه لما يُعلِّل لها فيجعلُ منها ظواهر ليس فيها ما يقتضي التعارضَ مع هذه البديهيات والمُسلَّمات. وبذلك ينتهي الأمرُ بالعقل إلى وضع دينٍ مغايرٍ بالتمام والكلية لدين الله تعالى. وسيكون هذا الدين الوضعي معقولاً لدى العقل ومقبولاً بهذا التوافق مع مسلَّماته العقلية وبديهياته من بعد نجاحه في إزاحة استحباب الآخرة على الحياة الدنيا وفي إقصاء المعجزات وذلك بتفسيرها وفقاً لمعقولاته!

وبذلك يتبيَّن لنا ما جناه عقل الإنسان على دين الله تعالى بهذا الذي قام به من إعادةِ صياغةٍ له ليتوافق مع بديهياته ومسلَّماته العقلية! وبذلك يتبيَّن لنا أيضاً أن ما نحن عليه من سيء حالٍ مع الله تعالى إنما يعود إلى هذا التديُّن منا بغير دين الله تعالى. فالدين الوضعي الذي يريدنا عقلُ الإنسان أن نستعيض به عن دين الله تعالى ما عادَ علينا إلا بما جعل منا نخسر هذه الدنيا، حتى إذا جاءت الآخرة تبيَّن لنا حينها أننا قد خسرناها هي الأخرى، وذلك هو الخسرانُ المبين.

إذاً فلا مناص هناك من عودةٍ نصوحٍ إلى دين الله تعالى من بعد قيامنا بتأديب عقولنا حتى تلزم حدودَها ولا تتعداها بتجاسرها على دين الله تعالى الذي أوجب عليها أن يكون انشغالُها به لا يتعدى تدبُّر إعجازه الإلهي وإقامة شرعته ومنهاجه، وفي ذلك الفوز المبين.

أضف تعليق