من أدوات التأديب الإلهي

تحدثتُ في المنشورَين السابقين عما لعقل الإنسان من هوَسٍ بالتجاسر على دين الله تعالى عقلنةً لما يشتمل عليه من مفرداتٍ قاسمُها المشترك هو “اللامعقول” الذي لا قيامَ لهذا الدين إلا على أساسٍ منه طالما كان اللهُ تعالى هو مَن قام بصياغته تماماً على الذي أحسن. ولقد شرع اللهُ تعالى شِرعتَه الإلهية ومنهاجَه الرباني بهذا الذي جعل دينَه ينطوي عليه من ضوابط تعبدية تكفل لمن يلتزمُ بها أن يكون بمقدوره أن يتعهَّد نفسَه بالتأديب والتهذيب والتشذيب حتى لا ينجرَّ العقلُ إلى الخوض فيما لا ينبغي له فيجترئ بالتالي على دين الله تعالى ويتعدى حدودَه المعرفية التي خُلق مُحدَّداً بها فلا قدرةَ له على تجاوزها إلا خوضاً في خيالاتٍ وتخبُّطاً في متاهاتٍ لا منجى له منها.

وإذا كان رسولُ الله قد قال: “أدَّبني ربِّي فأحسنَ تأديبي”، فإن مَن كان لهم فيه صلى الله تعالى عليه وسلم أسوةٌ حسنة لابد وأن ينبري الواحدُ منهم لنفسِه بالتأديب. فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان أكثرَ خَلقِ اللهِ تعالى عبادةً له. ولقد تكفَّلت هذه العبادة بجعله صلى الله تعالى عليه وسلم أقربَ خلْق الله إليه. فتأديبُ اللهِ تعالى لسيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كان بهذه العبادات المحمدية التي لم تدع مجالاً للنفس أو للعقل حتى ينالا من دين الله شيئاً. ونحن إن أردنا أن نؤدِّب عقولَنا ونفوسَنا حتى لا تتجاسر على دين الله، فليس هناك أمامنا من سبيلٍ غيرَ أن نواظب على عبادة الله تعالى ذكراً له يُذكِّر هذه العقول والنفوس باستحالةِ أن يكونَ بمقدورها أن تنالَ من دينه شيئاً بهذا الذي سنُصبح عليه بهذه العبادات. فنحنُ إن أكثرنا من ذكر “لا إلهَ إلا الله”، وكنا نَعي ونعني ما نقول به، فسوف يتجلَّى ذلك علينا تأدباً في حضرة الله تعالى يوجِب علينا ألا ندَع لعقولِنا أن تُقدِّم لنا أية تصوراتٍ عن هذا الدين تتنافى وقدسيته وتعاليه. وكذلك إن نحن واظبنا على ذكرِ “الله أكبر”، فإن ذلك سيتكفَّل بجعلنا ندرك ما يُمليه علينا إيقانُنا بأن اللهَ أكبرُ من أيةِ تصوراتٍ لنا عنه تعالى. وبذلك يتسنى لنا أن نتأدَّب في حضرة الله تعالى فلا نتجاسر على دينِه الإلهي عقلنةً وتعليلاً يتنافيان مع كونه الدين الذي لا يُشترط أن يجيء متوافقاً مع معقولاتِنا من مسلَّماتٍ وبديهيات. كما ويؤمِّن الإكثار من ذكر “سبحان الله” لمن يداوم عليه تأدُّباً مع الله تعالى بهذا الذي يشتمل عليه هذا الذكر الجليل من تنزيهٍ له تعالى عن أي تصوُّرٍ يجافي هذا الذي يتعالى به اللهُ تعالى عن كلِّ مخلوقٍ من مخلوقاته.

يتبيَّن لنا إذاً مما تقدَّم أن العقلَ دون تأديبٍ له بعبادة الله تعالى كما أمر سوف يكون مضطراً إلى أن يتجاسرَ على دين الله في محاولةٍ منه لعقلنة “لامعقوله”، وبما يؤدي بالنتيجة إلى ولوغه في “دينٍ وضعي” من صياغته هو، هو بحكم التعريف ليس دينَ اللهِ تعالى.

أضف تعليق