
تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عما لعربية القرآن العظيم من تمايزٍ عن عربيتنا المحكية تتعالى بموجبه عليها تعالياً تفرضه إلهيتها التي حتَّمت أن تكون ذات خصائص استثنائية متفرِّدة وإن ظنَّ كثيرٌ منا خلاف ذلك، وذلك بتوهُّمهم ألا فرق هنالك على الإطلاق بين العربيتين. فالقرآن العظيم يتيح لمتدبِّره أن يقع على العديد من الأمثلة على هذا التفرُّد النحوي والذي يجعل منه يعلو فوق ما نظن أنها القواعد النحوية التي ينبغي على نصِّه المقدَّس أن يجيء منضبطاً بها!
ومن ذلك ما تفاجؤنا به سورة ص من إشارةٍ إلى الخصم اللذين أرسلهما الله تعالى برسالةٍ إلى سيدنا داود عليه السلام وذلك حتى يُحجِم عن الإقدام على ما كان ينتوي فعله. فالإشارةُ إليهما لم تتقيَّد بما توجبه “الضوابط النحوية” ولكنها تفرَّدت بنحوها الخاص. وهذا ما بمقدورنا تبيُّنه بتدبُّرنا الآيتين الكريمتين (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ(21)إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) (ص). فالقرآن الكريم لم يقل “ففزع منهما” ولكنه قال “ففزع منهم”، وهما خصمان لا خصمٌ كثُر!
يتبيَّن لنا إذاً ألا موجب هناك لافتراض وجوب أن ينضبط القرآن العظيم بضوابطنا النحوية التي افترضناها وفرضناها على لغتنا المحكية؛ فالقرآن العظيم كلام الله تعالى، وهو الأدرى بالكيفية التي ينبغي على هذا الكلام أن يجيء بها وفقاً لما اقتضته حكمتُه وهو الحكيم الخبير.
